"التيلي برومبتر" يدخل المشهد المصري بين التكنولوجيا والخطاب الرئاسي

"التيلي برومبتر" يدخل المشهد المصري بين التكنولوجيا والخطاب الرئاسي التيلي برومبتر يدخل المشهد المصري

منوعات2-11-2025 | 13:19

من المتحف المصري الكبير.. مشهد جديد في الخطاب الرسمي

في احتفالية المتحف المصري الكبير، ظهر السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لأول مرة وهو يُلقي كلمته عبر جهاز التيلي برومبتر (Teleprompter)، في مشهد جديد يعكس نقلة نوعية في أسلوب الخطاب الرسمي المصري. هذه الخطوة التقنية ليست مجرد تفصيل بروتوكولي، بل تمثل تطورًا في أدوات التواصل السياسي المعاصر، الذي يوازن بين الدقة في الأداء والاتصال المباشر بالجمهور.

ورغم أن الجهاز يُستخدم منذ عقود في دول عدة، إلا أن ظهوره في مصر يرتبط بلحظة رمزية شهدها العالم عام 2009، عندما استخدمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطابه الشهير بجامعة القاهرة. فما هو هذا الجهاز؟ ومتى ظهر لأول مرة؟ وكيف أصبح رفيق الرؤساء على المنابر السياسية الكبرى؟

البدايات: من التلفزيون إلى السياسة

بدأت قصة التيلي برومبتر في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، حين اخترعه هوبرت شلايفلي (Hubert Schlafly) بالتعاون مع فريد بارتون جونيور وإيرفينغ كاهن.

كان الهدف منه آنذاك تسهيل قراءة النصوص على مقدمي البرامج والممثلين، إذ كانت النسخة الأولى جهازًا ميكانيكيًا يعرض النصوص على لفّة ورقية تتحرك أمام الكاميرا دون أن يلاحظها الجمهور.

أول استخدام رسمي للجهاز كان في عام 1950 خلال أحد البرامج التلفزيونية الأمريكية، ثم سرعان ما انتقل إلى المجال السياسي عندما استخدمه الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور عام 1954 في خطاب "حالة الاتحاد"، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العلاقة بين التكنولوجيا والخطاب السياسي.

من أيزنهاور إلى ريغان.. التيلي برومبتر يدخل البيت الأبيض

منذ الخمسينيات، أصبح الجهاز جزءًا أساسيًا في البروتوكول الإعلامي للرؤساء الأمريكيين.

وشهد عام 1952 أول اختبار سياسي للجهاز خلال المؤتمر الجمهوري، ثم تطور استخدامه مع الرئيس دوايت أيزنهاور في الخطابات الرسمية.

ومع الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيات، ازداد الاعتماد عليه، إذ عُرف عنه إتقانه لفن الخطابة عبر "التيلي برومبتر" دون فقدان التواصل البصري مع الجمهور.

واستمر الأمر مع بيل كلينتون وجورج بوش الابن، ثم جاء الرئيس باراك أوباما الذي يُعد من أكثر الرؤساء براعة في استخدامه.

أوباما في جامعة القاهرة.. أول ظهور عربي للجهاز (2009)

في الرابع من يونيو عام 2009، شهدت جامعة القاهرة أول ظهور علني لجهاز التيلي برومبتر في العالم العربي خلال خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعنوان "بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي".

وقتها، لاحظ الحضور وجود شاشتين زجاجيتين شفافيتين على جانبي المنصة، وهو مشهد غير مألوف في الخطابات الرسمية بالمنطقة.
تناولت الصحف المصرية والعربية حينها تفسيرًا لآلية عمل الجهاز، موضحة أنه يعرض النص أمام عينَي الرئيس بشكل غير مرئي للجمهور، مما يسمح له بالحفاظ على تواصل بصري طبيعي دون النظر في الورق.

كان ذلك الخطاب بمثابة أول تعريف فعلي للمشاهد العربي بهذا الابتكار، الذي يجمع بين الدقة التقنية والإلقاء الارتجالي المنضبط.

السيسي يستخدم التيلي برومبتر لأول مرة في احتفالية المتحف الكبير

وبعد مرور أكثر من 15 عامًا على ظهور الجهاز في مصر للمرة الأولى خلال خطاب أوباما، عاد التيلي برومبتر إلى المشهد المصري من جديد، لكن هذه المرة على المنصة الوطنية.
ففي احتفالية المتحف المصري الكبير عام 2025، استخدم الرئيس عبد الفتاح السيسي الجهاز أثناء إلقاء كلمته الرسمية، في مشهد حظي بتفاعل واسع داخل الأوساط الإعلامية.

ويرى خبراء الاتصال السياسي أن هذه الخطوة تمثل "تطورًا طبيعيًا" في أدوات الإلقاء الرئاسي، تعكس حرص الدولة على مواكبة المعايير العالمية في التواصل الرسمي والإعلامي، خاصة في المناسبات ذات الطابع التاريخي والثقافي الكبير مثل افتتاح المتحف المصري الكبير.

كيف يعمل جهاز التيلي برومبتر؟

يعتمد الجهاز على شاشة شفافة موضوعة أمام الكاميرا مباشرة، تُعرض عليها الكلمات بطريقة متدرجة (scrolling) بحيث يقرأ المتحدث النص دون أن يُلاحظ الجمهور وجود شاشة أمامه.

آلية العمل المتطورة:

شاشة زجاجية شفافة تعكس النص فقط تجاه المتحدث

وحدة تحكم إلكترونية تدير سرعة عرض النص

فني متخصص يتحكم في إيقاع العرض حسب سرعة الإلقاء

إمكانية التحكم اللاسلكي عبر أجهزة لوحية وتطبيقات ذكية

هذه التقنية تجعل الخطاب يبدو طبيعيًا دون تلعثم أو توقف، مع الحفاظ على التواصل البصري المستمر مع الجمهور.

رمزية الاستخدام في مصر

يؤكد محللون أن دخول التيلي برومبتر رسميًا إلى المشهد المصري يحمل دلالات متعددة.

تقول الدكتورة سارة محمد أستاذ العلوم السياسية:
"هذا الأمر يعكس التحول نحو الاحترافية الإعلامية في الخطابات الرسمية، ويسهم في توحيد النصوص الحكومية وإدارة الوقت بدقة في الفعاليات الكبرى. كما يمنح الرئيس مرونة في التواصل البصري مع الجمهور والإعلام الدولي، ويعبر عن تطور في إدارة الصورة الرئاسية بما يتماشى مع الممارسات المتبعة عالميًا."

ويضيف الخبير الإعلامي أحمد عبد الرحمن:

" التيلي برومبتر لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح أداة استراتيجية في صناعة الخطاب السياسي العالمي. استخدامه في مصر يؤكد السعي نحو احترافية أكبر في إدارة الصورة الرسمية للدولة."

من الماضي إلى المستقبل

منذ أول اختراع للجهاز قبل أكثر من سبعين عامًا، وحتى ظهوره على منصة المتحف المصري الكبير، قطع التيلي برومبتر رحلة طويلة من التطوير، من الورق الملفوف إلى الشاشات الذكية.

تأثير التكنولوجيا على الخطاب السياسي:

رفع مستوى الدقة في نقل الرسائل الرسمية

سهل عملية التحضير للخطابات الدولية متعددة اللغات

أسهم في توحيد الرواية الرسمية في المناسبات الهامة

طور مهارات الإلقاء لدى القادة السياسيين

واليوم، يشكّل استخدامه من قبل الرئيس السيسي نقطة تحول رمزية في أسلوب إدارة الخطاب العام في مصر، تجمع بين الدقة التقنية، والمظهر العصري، والاتصال الإنساني المباشر.

ف التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة مساعدة، بل أصبحت جزءًا من لغة الدولة الحديثة في مخاطبة شعبها والعالم.

بين الماضي والمستقبل

التيلي برومبتر لم يعد مجرد جهاز تقني، بل أصبح رمزاً لتطور أدوات التواصل السياسي عالمياً. ظهوره في المشهد المصري يمثل نقلة نوعية في إدارة الخطاب الرسمي، تواكب فيها مصر أحدث الوسائل التقنية مع الحفاظ على الأصالة في المضمون.

الرسالة الأهم: التكنولوجيا عندما تلتقي بالخطاب السياسي، لا تغير شكله فقط، بل تطور أدواته لتعبر عن لغة العصر، وتواكب متطلبات التواصل في عالم يتسم بالسرعة والشفافية.

أضف تعليق