"زوزو حمدي الحكيم".. المرأة التي ألهمت الشعراء وأبهرت المسرح

"زوزو حمدي الحكيم".. المرأة التي ألهمت الشعراء وأبهرت المسرحزوزو حمدي الحكيم

فنون4-11-2025 | 03:12

في شهر نوفمبر تعود ذكرى رحيل زوزو حمدي الحكيم، واحدة من أهم نجمات المسرح، وصاحبة الصوت الذي حمل قوة المرأة المصرية في زمنٍ لم يكن يعترف كثيرًا بصوتها.

لم تكن زوزو مجرد ممثلةٍ تؤدي أدوارًا على المسرح أو أمام الكاميرا، بل كانت حكاية امرأة سبقت زمنها، خرجت من قرية بسيطة لتصبح من أوائل خريجات معهد التمثيل في مصر، في وقتٍ كان المجتمع لا يزال ينظر إلى الفن بعين الريبة.

كانت امرأة اختارت أن تكسر الصمت، وأن تقول: "أنا هنا.. أستحق أن أُسمع".

*البداية من المنوفية.. والحلم أكبر من القرية

وُلدت زوزو حمدي الحكيم في قرية سنتريس بمحافظة المنوفية عام 1912، لأسرة متوسطة الحال، منذ طفولتها، كانت شغوفة بالمسرح والغناء، وتهرب من قيود الحياة الريفية إلى عالم الخيال والتمثيل.

حين كبرت، قررت أن تدرس في معهد التمثيل لتصبح من أوائل الفتيات اللواتي دخلن هذا المجال، في خطوة جريئة جدًا في ثلاثينيات القرن الماضي.

تخرجت من المعهد عام 1934، وكان المسرح بالنسبة لها بيتًا ثانيًا وصوتًا تعبر به عن كل النساء اللواتي لم يُسمع صوتهن بعد.

*من خشبة المسرح إلى شاشة السينما

بدأت زوزو مشوارها في المسرح القومي، ضمن فرقة خليل مطران، ثم عملت مع عمالقة المسرح مثل جورج أبيض وزكي طليمات ويوسف وهبي.

وكان أول ظهور لافت لها على شاشة السينما في فيلم ريا وسكينة عام 1952، حين جسدت شخصية سكينة ببراعة جعلت الجمهور يخافها ويحبها في الوقت نفسه.

ملامحها القوية وصوتها الجهوري جعلاها مثالية لأدوار المرأة الحازمة، لكن خلف هذه القوة كانت تخفي روحًا مرهفة، تحب الشعر، وتؤمن أن الفن رسالة لا مجرد مهنة.

*سيدة اللغة والفصحى

كانت زوزو من أوائل الممثلات اللواتي أتقن اللغة العربية الفصحى على الشاشة، ولهذا كانت تُسند إليها الأدوار التاريخية والجادة.

كانت تحترم الكلمة إلى حد التقديس، وتتعامل مع النص كقصيدة تتلى، لا كحوار عابر، وهذا ما جعل النقاد يلقبونها بـ سيدة الأداء الفصيح.

*الوجه الآخر للحياة

وراء الأضواء، كانت زوزو امرأة عاشت الحياة بكل ما فيها من صخب ووحدة.

تزوجت أكثر من مرة، من بينهم الصحفي الشهير محمد التابعي، لكنها لم تجد الاستقرار الحقيقي إلا في الفن.

كانت تقول دائمًا: “التمثيل أنقذني من الصمت، لكنه سرق مني الطمأنينة.”

في أواخر الثمانينيات، أصيبت بجلطة وشلل جزئي أبعدها عن العمل، لكنها ظلت قوية، تتابع ما يُقدم على الساحة، وتقول لمن يزورها: "الفن تغير، لكنه لا يزال يدهشني".

*زوزو وإبراهيم ناجي.. الحكاية التي همس بها الشعر

كثيرون قالوا إن الشاعر إبراهيم ناجي كتب قصيدة الأطلال الشهيرة متأثرًا بها، وإنها كانت ملهمته الصامتة.

الحكاية لم تؤكدها هي أبدًا، لكنها أيضًا لم تنفها.

ربما كانت تلك هي زوزو التي عرفها الجميع: امرأة تعرف كيف تحفظ الغموض، وتترك خلفها أثرًا لا يُمحى.

*إرث من الضوء والصوت

قدّمت زوزو أكثر من مائتي عمل فني بين المسرح والسينما والإذاعة، من أبرزها: ريا وسكينة، مسلسل ألف ليلة وليلة الذي قام ببطولته نجلاء فتحي وحسين فهمي، ومسلسل ألف ليلة وليلة "عروس البحور" بطولة شيريهان، ومسلسل محمد رسول الله، وفيلم اسكندرية ليه، والمومياء، والمسلسل الإذاعي الرحلة.

لكن ما تركته لا يُقاس بعدد الأعمال، بل بقدرتها على منح كل دور حياة خاصة، ونبرة لا تشبه أحدًا.

*الرحيل

رحلت زوزو حمدي الحكيم تاركة وراءها تاريخًا من الصدق والصلابة والموهبة.

وفي ذكراها هذا الشهر يبقى اسمها شاهدًا على زمنٍ كان فيه الفن التزامًا أخلاقيًا وجماليًا، وكانت فيه المرأة تُقاتل لتثبت أنها قادرة على أن تكون وجهًا للحكمة لا مجرد وجهٍ جميل.

زوزو حمدي الحكيم.. سيدة سبقت عصرها، لم تكن جميلة الوجه فقط، بل جميلة الفكر، وصوتها سيبقى شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة أهم من التصفيق.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان