يحدثنا التاريخ أنه طالما كان شاهدا على الكثير من الوعود التي تنوعت ما بين وعود تحويها الأوراق ووعود لا يكفي مدادها مياه البحارأو رمال الغبراء.
ما بين وعدٍ زائفٍ كتبه قلمُ بشر، ووعدٍ صادقٍ أنزله ربّ البشر… يقف التاريخ شاهدًا على أن الكلمة الأخيرة دائما وأبدا تكون لله وحده.
في التاريخ وعودٌ كثيرة، بعضها يلمع على الورق ثم يبهت في الظلام، وبعضها يُكتب في السماء فلا يخبو ضياؤه أبدًا.
يشهد التاريخ، منذ فجر الخليقة، أن وعد الله لا يُهزم، وأنّ ما وعد به عباده المؤمنين من نصرٍ وتمكينٍ قد تحقّق دائمًا مهما طال ليل الانتظار.
صفحات الزمان ممهورةٌ بشهادات النصر الإلهي، من بدرٍ إلى اليرموك، ومن حطّين إلى غزة، لتظلّ سُنّة الله ماضية: {وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين}.
وبينما تتهاوى عروش الطغاة وتتبدّد أوهام المحتلين، يقف وعد الله شامخًا لا تزعزعه قرارات الأمم ولا مؤتمرات الخيانة.
أما وعد بلفور، فكان زبدًا يعلو الموج ساعةً ثم يذوب، كان وعدًا من بشرٍ زائلٍ لبشرٍ مغرور، لا يملك أحدهما من الأرض ذرةً ولا من التاريخ صفحة.
ففي الثاني من نوفمبر عام 1917م كتب بلفور بخطٍّ مرتجف وعده المشؤوم، يهب فلسطين –وهي وقف الله في الأرض– لمن لا يعرفون لها حرمةً ولا قداسة.
ومنذ تلك اللحظة، اشتعل قرنٌ من الدم واللجوء، وسُقيت الأرض بالدمع والدم، حتى صارت الحجارة شاهدةً على مأساةٍ عنوانها: وعد بلفور... ووعيد الله.
يا قدسُ، كم ذُبحَ الهوى فيكِ واغتُصِبَ الأملْ،
كم نامَ طفلٌ في الثرى والعالمُ المُترفُ احتفلْ،
لكنَّ في الأفقِ المبلّلِ بالرجاءِ بشارةً تُرتَجى،
أنَّ الوعدَ وعدُ اللهِ لا وعدُ مَن خَذَلوا واعتزلْ.
لقد قامت دولة اليهود على جرحٍ مسروق، وبُنيت بأسوار الخوف، لا بالعقيدة ولا بالإيمان.
إنها دولة وُلدت من رحم المؤامرة، فعمرها في ميزان التاريخ لحظة عابرة، وإن بدت اليوم جبّارةً متغطرسة، فإنها تحمل في أحشائها بذرة زوالها، فقد قال الله تعالى فيهم: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}،
وقال سبحانه: {لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود}.
لم تنفعهم حصونهم في خيبر، ولن تنفعهم اليوم ترساناتهم في تل أبيب، فسنّة الله لا تتبدّل، ووعيده للمفسدين لا يتخلّف.
سيُهزَمُ الجمعُ وإن ظنُّوا بأنَّ لهم مَفرًّا،
فاللهُ وعدَ الصادقينَ بأن يُريهم فجرًا ونصرًا،
وسينقشعُ غيمُ الظلمِ عن قُبَّةِ الصخرة،
ويُرفَعُ الأذانُ فوقَ القدسِ جهرًا.
وعدُ الله هو الحقّ، ووعدُ بلفور باطلٌ يذروه الزمن.
وما بين الوعدين مسافةُ يقينٍ لا تُقاس بالسنين، فهذه الدولة الطارئة على خريطة الوجود، مهما طال بقاؤها، فإنها عابرة كالغيوم في سماء التاريخ.
وسينقلب السحر على الساحر، ويعلم الذين ظلموا أن دولة الباطل لا تدوم، وأن الحقّ –مهما أبطأ– قادمٌ على سنن الله الماضية في الكون.
فبلفور وعدَ اليهود بما لا يملك،
وربُّ العالمين أوعدهم بما يستحقون.
وما بين وعدٍ زائلٍ ووعيدٍ خالدٍ، تبقى فلسطينُ تنتظر ساعة الوعد الإلهي الحق، حين يعلو نداء الحق من مآذن القدس: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.