في مثل هذا اليوم، السادس من نوفمبر، وُلدت واحدة من أكثر نجمات المسرح المصري رصانة وصدقًا وأصالة… الفنانة إنعام فؤاد الجريتلي، التي تنتمي لجيلٍ آمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة، وبأن الصدق في الأداء هو الطريق الأقصر لقلب الجمهور.
*بدايات من الخشبة إلى الكاميرا
وُلدت إنعام الجريتلي في القاهرة عام 1944، لأسرة من أصول شركسية، منذ صغرها، كانت تميل إلى التمثيل وإلقاء الشعر والمشاركة في الأنشطة المسرحية بالمدرسة، حتى التحقت بـ المعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرجت عام 1966، لتبدأ بعدها رحلة طويلة مع المسرح، الذي اعتبرته بيتها الأول، ومدرستها الكبرى في التمثيل.
لم تكن بداية إنعام الجريتلي سهلة، فقد اختارت طريق المسرح الجاد في زمنٍ كانت فيه الأضواء تُسلَّط أكثر على السينما، لكنها ظلت تؤمن أن المسرح هو الفن الأصدق، فعملت ممثلة ومخرجة وقدّمت ما يزيد عن عشرين عملاً مسرحيًا، من بينها عروض شاركت في مهرجانات محلية ودولية.
عملت في البداية بالمسرح في أعمال البرجوازي النبيل، المتوحشة، ورجل مجنون، وعملت مخرجة في مسلسلات الأطفال.
*من خشبة المسرح إلى الشاشة الصغيرة
لم تكتفِ إنعام الجريتلي بالمسرح، بل دخلت عالم الدراما التلفزيونية والسينما، لتترك بصمتها في أدوار ثانوية، لكنها مليئة بالحياة والصدق.
فقدّمت شخصيات الأم والزوجة والجارة والمدرّسة والمرأة الشعبية، بروح واقعية جعلتها قريبة من وجدان الناس.
من أبرز أعمالها التلفزيونية:
"محمد رسول الله"، و "اخو البنات"، و"نحب تاني ليه"، "راجل وست ستات"، الذي قدمت فيه أداءً كوميديًا رشيقًا كشف عن جانب جديد من موهبتها.
أما في السينما، فكان حضورها متوازنًا وإن قل عدد الأفلام التي شاركت بها، لكنها تركت بصمة مميزة في أفلام مثل "الزواج والصيف"، "مذكرات مراهقة".
*روح الفنانة المثقفة
وراء ملامحها الهادئة وابتسامتها المتفهمة تختبئ عقلية مثقفة وواعية، فالفنانة إنعام الجريتلي ليست مجرد ممثلة تؤدي ما يُكتب لها، بل فنانة قارئة، تهتم بالفكر والتاريخ والفنون الشعبية، وتعتبر أن الممثل يجب أن يكون مثقفًا، لأن الأداء الصادق لا يولد من فراغ.
عرفت الجريتلي أيضًا بحبها الشديد للناس، وبأنها كانت تدعم المواهب الشابة وتشجعهم، وتؤمن بأن "الجيل الجديد هو أمل الفن إذا امتلك الصبر والضمير"، كما كانت تقول في حواراتها الصحفية.
*رابطة الدم والفن
إنعام الجريتلي هي الشقيقة الكبرى للفنانة الراحلة أحلام الجريتلي، التي كانت تعتبرها صديقتها ورفيقتها قبل أن تكون أختها. جمعت بينهما الموهبة والروح الطيبة، وكانتا مثالًا لعائلة فنية تحب العمل في صمت وتقدّر قيمة الالتزام.
* منارة المسرح
على مدى أكثر من نصف قرن، ظل اسم إنعام الجريتلي حاضرًا في وجدان جمهور المسرح والتلفزيون، كرمزٍ للالتزام الفني والهدوء والرقي. لم تبحث يومًا عن البطولة المطلقة، لكنها امتلكت ما هو أعمق منها… البطولة الإنسانية، في أن تظل على عهدها مع الفن دون تنازل أو ضجيج.
وفي عيد ميلادها، تبقى إنعام الجريتلي شاهدة على زمن كانت فيه الفن قيمة، والكلمة مسؤولية، والتمثيل وجدانًا حيًّا لا ينطفئ.