في مجتمع اعتاد أن يكون البحر حلمًا بعيدًا للنساء، قررت نهى مندور أن تكسر القواعد وتعيد رسم الطريق.
من طفولة على ضفاف قناة السويس، إلى قرار شجاع بالخروج من منطقة الراحة، ثم إلى أعماق البحر حيث وجدَت ذاتها، صنعت نهى قصة إلهام نادرة. رحلة تحديات وأمومة وكفاح انتهت بلقب غير مسبوق: أول مصرية تحصل على شهادة مدربة مدربين في الغوص.
نهى مندور، أول مصرية تحصل على لقب مدربة مدربين في الغوص، تحكي أن بداية الحلم كانت من الإسماعيلية؛ المدينة الهادئة على ضفاف قناة السويس، حيث نشأت داخل عائلة تعشق الرياضات المائية. بين السباحة وكرة الماء، وكأسرة تمتد جذور شغفها بالبحر، كانت عمتها أول مصرية تعبر المانش، فترسخت الرياضة في وجدانها منذ الصغر. في عام 1997، زارت نهى مدينة دهب لأول مرة، وكانت تلك الزيارة نقطة التحول الكبرى. أسرها منظر الشعاب المرجانية والغواصين تحت الماء، لتقع في حب البحر من النظرة الأولى. وقتها لم يكن الإنترنت متاحًا كما هو اليوم، وكانت دهب عالمًا آخر بكل تفاصيله. بعد تخرجها من كلية السياحة والفنادق، وقدمت مشروعًا عن جنوب سيناء ودهب تحديدًا، جاءت ظروف الحياة التقليدية لتوقف حلمها. تزوجت، ثم ابتعدت عن الغوص لسنوات، قبل أن تتخذ قرارًا شجاعًا بالعودة إلى أحلامها. كامرأة مطلقة وأم لطفلين، غادرت الإسماعيلية واستقرت في دهب، رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهتها في البداية، لكنها وضعت هدفها أمامها ولم تتراجع. بدأت نهى رحلتها الاحترافية بالحصول على دورات PADI، وكانت تتدرب هي وطفلاها معًا، إلى أن بدأت العمل فعليًا عام 2019.
ومع جائحة كورونا توقفت حركة السياحة والغوص بالكامل، لكنها لم تتوقف. عادت بقوة بعد الأزمة، واتجهت نحو الغوص التقني وتعمقت فيه حتى تميزت، رغم التحديات التي فرضتها الحروب والاضطرابات لاحقًا.
واليوم، أصبحت نهى أول مدربة مدربين مصرية في منظمتَي SDI وTDI، وهو إنجاز غير مسبوق في مجال الغوص التقني في مصر. ابنتها آسيل، التي تبلغ 15 عامًا، سارت على خطاها؛ فهي غواصة تقنية وستصبح دايف ماستر العام القادم، وتساعد والدتها لتوفير نفقات تعليمها الجامعي، في مشهد يعكس كيف أصبحت الغوص بالنسبة للعائلة أسلوب حياة وإرثًا يُورّث.
تحلم نهى بأن ترى المزيد من الفتيات والسيدات المصريات يدخلن عالم الغوص، وأن يملأن هذا المجال بشغفهن وقوتهن. وتؤمن أن تحقيق الأحلام ليس مستحيلاً، طالما وُجد الإصرار والدعم والفرصة المناسبة. وتقول نهى إنها تتمنى أن تكون مصدر إلهام لبنات جيلها، وأن تساعدهن على تجاوز الخوف وتحويل الشغف إلى واقع.