عندما تصبح الأمومة فعل اختيار لا قدر .. نوفمبر شهر الإنسانية

عندما تصبح الأمومة فعل اختيار لا قدر .. نوفمبر شهر الإنسانيةالأمومة

حوارات وتحقيقات27-11-2025 | 14:08

مع قدوم فصل الخريف ، حين تهدأ الأجواء وتتساقط أوراق الأشجار ، يحل نوفمبر حاملاً رسالة إنسانية عميقة، تذكرنا بأن الحب لا يحتاج إلى روابط دم، وأن الأسرة قد تُبنى بالقلوب قبل الأوراق.

إنه شهر التوعية بالكفالة والاحتضان، حيث تتحول المشاعر النبيلة إلى واقع ملموس ، فيفتح الأبوان قلبهما وبيتهما لطفل يبحث عن دفء حضن، وأمان أسرة، وحلم مستقبل، هنا، لا نقدم مجرد مسكن أو طعام، بل نمنح طفلاً هويته، وثقته بنفسه، وحقه فى حياة كريمة .

تشير الإحصاءات إلى وجود آلاف الأطفال فى العالم العربي يعيشون فى دور الرعاية، محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية، حيث يحمل كل طفل قصة ، وكل عين تنتظر بسمة أمل، وكل قلب صغير يحتاج إلى من يمسح دموعه، ويحتفل بنجاحاته ، ويحتويه عند الفشل، ويمنحه شعور الانتماء إلى أسرة حقيقية .

وفى مصر، وفقًا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعي ، يبلغ عدد الأسر الكافِلة رسميًا نحو 11.8 إلى 12 ألف أسرة على مستوى الجمهورية، تحتضن ما يقارب 12 ألف طفل وطفلة ممن حُرموا من الرعاية الأسرية.

وعلى مدار السنوات العشر الأخيرة، تولت هذه الأسر الكفالة لما يقارب 12 ألف طفل، ما يعكس التقدم الملحوظ فى تعزيز مفهوم «الأسرة أولًا» وإتاحة فرصة حياة كريمة للأطفال الذين فقدوا الرعاية الأسرية الطبيعية .

ووفق إعلان وزارة التضامن الاجتماعي، فقد تم خلال الفترة من يوليو 2024 وحتى أكتوبر 2025 تسليم نحو 480 طفلاً إلى أسر بديلة كافِلة.

وتشير بعض المبادرات والمبادرات التطوعية إلى أن إجمالي عدد الأسر الكافِلة قد يصل إلى 17 ألف أسرة، نتيجة التوسع فى المشاركة المجتمعية والجهود التطوعية.

فهم المسارات

ويقول د. خالد سعيد، استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين، إن الكفالة تمثل خطوة العطاء الأولى، حيث يقدم الكافل الدعم المادي والتعليمي للطفل مع الحفاظ على وضعه القانوني.
أما الاحتضان فهو رحلة أعمق، يصبح فيها الطفل جزءًا من نسيج الأسرة العاطفي والاجتماعي، وينعم بالرعاية النفسية والتربوية الكاملة".

وأضاف، "لقد شهدت تشريعاتنا العربية تطورًا ملحوظًا فى هذا المجال، حيث سهلت إجراءات الكفالة والاحتضان، ووفرت حماية قانونية أكبر للأطفال والأسر المحتضنة، مما يشكل نقلة نوعية فى التعامل مع قضايا الطفولة".

رحلة إنسانية

وتقول د. هاجر مرعى، استشارية نفسية وتربوية، إن الاحتضان ليس مجرد استقبال طفل فى البيت، بل هو التزام برحلة طويلة من العطاء والصبر والفهم، الطفل المحتضن، خاصة إذا جاء من بيئة صعبة، يحمل جراحًا تحتاج إلى معالجة بحكمة ورفق.

وأضافت أن "معظم الأطفال المحتضنين يعانون مما نسميه "متلازمة التخلي" أو "الفقدان الغامض"، والتي تظهر فى صعوبات النوم، واضطرابات الطعام، وتأخر الكلام أو المشي، وفي مرحلة المراهقة قد تتحول إلى صعوبات فى تكوين الشخصية.

لكن الاحتضان السليم، القائم على الحب الصادق والرعاية المستمرة، قادر على معالجة هذه الجروح وبناء طفل سوي نفسيًا واجتماعيًا".

من القلب

وتروي يمنى دحروج، مؤسسة مبادرة "الاحتضان"، رحلتها فتقول، "كنت متزوجة منذ عشر سنوات ولم يرزقني الله بأطفال، كان الأمر صعبًا، لكني لم أفقد الأمل، وعندما سمعت عن فكرة الاحتضان، شعرت بأنها الإجابة عن تساؤلاتي الوجودية، فذهبت إلى دار الإفتاء، ثم إلى دار رعاية، وهناك وجدت ابنتي "ليلى" التي كانت تبلغ ثلاثة أشهر فقط، فى تلك اللحظة، علمت أن الأمومة ليست فقط بالدم، بل بالقلب والإحساس".

وتكمل: "بعد ثلاثة أيام من احتضان ليلى، أنشأت صفحة على فيس بوك ثم مؤسسة "الاحتضان"، لاحظت أن الناس لا يعرفون الكثير عن هذا الموضوع، وكان هناك خلط بين التبني الشرعي والكفالة المسموح بها، أردت أن أساعد الآخرين ليجد كل طفل أسرة تحبه وتحتضنه".

وعن التحديات التي واجهتها، تقول: "أصعب ما نواجهه هو النظرة المجتمعية والخوف من ردود فعل الأهل والجيران، فبعض الأسر تخشى أن يعاني الطفل عندما يعرف أنه محتضن، لكننا نعلمهم كيفية إخبار الطفل منذ الصغر، بلغة بسيطة، ليشعر بأنه مميز وليس منبوذًا".

نجاحات تبعث الأمل

وتشير يمنى بفخر: "شاركنا فى تعديلات قانونية مهمة مثل حق الولاية التعليمية، وتغيير مصطلح "مجهول النسب" إلى "كريم النسب".. الأجمل أننا نرى أطفالًا كانوا محتضنين أصبحوا شبابًا واعين، ناجحين وقادرين على العطاء لمجتمعاتهم".

وتقول سارة (اسم مستعار): "عندما علمت أنني لا أستطيع الإنجاب، شعرت بأن عالمي انهار، لكن زوجي اقترح فكرة الكفالة، ووافقت بعد تردد، فذهبنا إلى دار رعاية واخترنا طفلة رضيعة، لكنها توفيت بعد ثلاثة أشهر، فحزنت كثيرًا، لكن إيماني بأنني أريد أن أكون أمًا دفعني للمحاولة مرة أخرى، واليوم تبلغ ابنتي فاطمة تسع سنوات، وهي أجمل ما حدث فى حياتي، علمتني معنى الحب غير المشروط".

أما أحمد، وهو أب محتضن فيقول "كنت مترددًا فى البداية، لكن زوجتي أصرت، وعند استلام الطفل، شعرت فجأة أنه ابني، لم أندم أبدًا على هذا القرار، ابني الآن فى الصف الأول الابتدائي، وهو مصدر فرحنا وسعادتنا، علمني أن الأبوة ليست بالدم فقط، بل بالقلب والتربية والحب".

رؤية دينية

ويقول د. أحمد الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية، إن فكرة الاحتضان فى الإسلام ليست مجرد فعل اجتماعي أو مبادرة إنسانية، بل هي تجسيد عملي لقيمة الرحمة التي دعا إليها الدين الحنيف.
فالله سبحانه وتعالى يقول فى كتابه الكريم: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ»، أي أن رعاية اليتيم وإصلاح حاله عبادة فى حد ذاتها، يُثاب عليها الإنسان أعظم الثواب".

مضيفا أن الإسلام ميّز بين التبني الذي يُغيّر فى الأنساب وهو محرم شرعًا، وبين الكفالة أو الاحتضان التي تُعنى بالرعاية والتربية والإنفاق دون المساس بالنسب، وهي من أعظم القربات إلى الله تعالى، النبي ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين»، مشيرًا بأصبعيه السبابة والوسطى، وهو وعد كريم يبيّن منزلة من يفتح قلبه وبيته لطفل محروم".

وأكد أن من الواجب الديني أن نُغيّر نظرة المجتمع إلى الاحتضان، فليس فى ذلك منقصة أو حرج، بل هو صورة من صور التكافل التي تُعيد التوازن إلى المجتمع، والطفل الذي يجد فى بيتٍ مؤمنٍ صدرًا رحيمًا وبيئة سوية، ينشأ فردًا صالحًا، نافعًا لدينه ووطنه.

ويختم د. أحمد الجندي حديثه قائلًا: "ما تقوم به وزارة التضامن الاجتماعي والمبادرات المجتمعية من تشجيع للأسر على الكفالة والاحتضان هو تطبيق فعلي لروح الإسلام فى رعاية الضعفاء والمحرومين، إننا بحاجة إلى خطاب ديني أكثر انفتاحًا يوضح للناس أن الاحتضان ليس إحسانًا فحسب، بل مسئولية وعبادة وسلوكا حضاريا ينهض بالأمة ويمنح أطفالها الأمل فى غدٍ أفضل".

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان