أحسن الفنان ياسر جلال صنعاً بالاعتذار عن التصريح المثير للجدل ، الذى أدلى به خلال حفل تكريمه بـ مهرجان وهران السينمائي ، حول مساعدة الصاعقة الجزائرية للمصريين ، فالاعتراف بالحق فضيلة لا تعيب صاحبها، بل تؤكد ثقته بنفسه وحرصه على الصدق مع الآخرين.
ولكن هذه الواقعة تفتح من جديد ملف المشاهير والسياسة، والسؤال: هل الأفضل للفنان أن يحتفظ بآرائه السياسية لنفسه، أم أنه مثله مثل أى مواطن آخر من حقه أن يعبر عن ذاته وأفكاره ؟!
والحقيقة أنه لم يدهشنى تصريح الفنان ياسر جلال، بقدر ما أدهشني الجرأة التى قاله بها والمكان الذي قاله فيه، حيث بدا وكأنه حقيقة تاريخية مسلم بها بينما هو في أفضل الأحوال رواية شفوية سمعها الفنان من والده، وليست موثقة فى أى مصدر رسمي أو عسكري أو حتى بحثى معروف.
والمشكلة هنا لا تتعلق ب ياسر جلال وحده، بل تتجاوز شخصه لتصل إلى قضية أعمق وهى مسئولية الكلام حين يصدر عن شخصية عامة تمتلك جمهوراً واسعاً وموقعاً مؤثراً فى الرأى العام.
فالفنان أو الإعلامى أو السياسي، حين يتحدث عن وقائع تاريخية أو مسائل عسكرية أو قضايا وطنية حساسة، لا يكون كلامه مجرد رأى شخصي، بل يتحول تلقائياً إلى «معلومة عامة» يتداولها الناس بوصفها حقيقة، وقد يتم استغلالها سياسياً أو إعلامياً فى غير موضعها، ولذلك يصبح من الضرورى أن يتحقق المشهور من كل كلمة يقولها، وأن يفرق بين ما يسمعه وما يعرفه يقيناً.
ما قاله ياسر جلال عن «الصاعقة الجزائرية» لم يكن مجرد زلة لسان، بل كان مثالاً واضحاً على خطورة التحدث فيما لا يُحسن الإنسان الخوض فيه، فالتاريخ العسكرى له قواعده، ومعلوماته التى لا يمكن أن تُبنى على الحكايات العابرة ، والحديث عن علاقات الجيوش والدول يحتاج إلى دقة وتوثيق ومسئولية.
ولا أحد ينكر بالطبع ما بين مصر والجزائر من روابط تاريخية ومواقف مشهودة، لكن تحويل تلك الروابط إلى «روايات بطولية» من دون سند، قد يسيء من حيث أراد صاحبه الإشادة.
ويزداد الأمر خطورة حين يكون الفنان، قد أُسند إليه منصب رسمى أو عضوية فى مجلس سياسى مثل مجلس الشيوخ، فالمجتمع عندها لا يتعامل معه كممثل مشهور أو فنان معروف فقط، بل كصاحب صفة عامة، والكلمة التى يقولها تصبح شبه رسمية، والناس تفترض فيها قدراً من الانضباط والوعى السياسى والتاريخي، لذلك فإن أقل خطأ فى التعبير يمكن أن يتحول إلى أزمة، وأى مبالغة غير محسوبة قد يتم تفسيرها على أنها موقف دولة أو توجه رسمي.
إن الدرس الأهم الذى يكشفه هذا الجدل ليس فى الخطأ نفسه، بل فى ما يفرضه من ضرورة مراجعة ثقافة "الكلام فى كل شىء"، والتى صارت سمة كثير من المشاهير.