ما أن انتهينا من قضية الطفل ياسين ، التي هزت الرأي العام في مصر العام الماضي، بعد صدور حكم محكمة جنايات دمنهور بالبحيرة، بمعاقبة الجاني الذي يبلغ من العمر 79 عامًا بالسجن 10 سنوات بتهمة هتك عرض ياسين الذي يبلغ من العمر 5 أعوام، داخل دورة مياه مدرسته أثناء يوم دراسي عادي بإحدي المدارس الخاصة للغات بمدينة دمنهور ، وبمساعدة إحدي العاملات بالمدرسة، حتي فوجئنا بجريمة أكبر تقع بين جدران مدرسة أخري تحمل صفة "الدولية"، ولا أدري ما تعنيه هذه الكلمة حقا في مصر، حيث تعرض خمسة أطفال لاعتداءات جنسية من قبل أربعة من العاملين بالمدرسة الكائنة بالعبور، عقب استدراجهم إلي أماكن معزولة داخل المدرسة شملت الممرات الخلفية وغرفة خدمات مغلقة.
وإذا كانت المحكمة قد أعادت "حق ياسين" بعد عام كامل من المحاكمة، التي ظل المتهم خلالها حبيسًا، فنحن اليوم أمام مأساة أكبر تشمل أكثر من ضحية، وأكثر من أسرة منكوبة، ووطن بأكمله مصدوم، وينتظر بتلهف استعادة حقوق هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين انتهكت براءتهم في وضح النهار، وبين جدران أحد أكثر الأماكن التي كان يفترض أن تكون أمنًا وسلامًا لهؤلاء الأطفال، بعد منازلهم، فإذا بهم يقعون ضحايا لقلة منحرفة أقل ما يوصفون به أنهم ذئاب في ثياب البشر!.
هؤلاء المتهمون الذين يواجهون الآن تهمة الخطف المقترن بهتك العرض، وهي جريمة تصل عقوبتها إلي الإعدام وفقا لقانون العقوبات، فتحوا دون قصد واحدًا من أخطر الملفات التي ظلت مغلقة لعقود في المنظومة التعليمية، وهو ملف المدارس الخاصة والدولية، ومدي توافر البيئة التعليمية الملائمة في هذه المدارس، بما يعنيه ذلك من توفر الأمن والسلامة والرعاية الصحية والنفسية، طالما أن هذه المدارس تطالب أولياء الأمور بدفع مبالغ طائلة كل عام، بل إن بعضها يجري مقابلات للطفل ولوالديه قبل قبوله بالمدرسة، وكأنه سيلتحق بالعمل في إحدي الهيئات السيادية!.
إن الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم عقب الواقعة، بإصدارها "الكتاب الدوري رقم 19" الخاص بتشديد إجراءات حماية الطلاب في المدارس الخاصة والدولية، وقرارها بوضع هذه المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري للوزارة، وإحالة المسئولين المتورطين في التستر أو الإهمال الجسيم للشئون القانونية، وإيفاد لجنة موسعة للتحقيق في ملابسات الواقعة، كلها إجراءات كانت لازمة وضرورية، ولكن لا يجب ألا تقتصر هذه الإجراءات علي المدرسة محل الجريمة الأخيرة وحدها، لأن جميع مدارسنا الخاصة والدولية لابد وأن تخضع لإجراءات المراقبة المستمرة، والتفتيش الدوري والحقيقي، بعيدًا عن "الإجراءات الصورية" أو "تستيف الورق" الذي طالما أضاع علي هذه الدولة الكثير والكثير مما لا مجال لذكره الآن.
وزير التعليم أكد في تصريحاته بعد واقعة المدرسة الدولية، أن أية مدرسة لا تلتزم بمعايير الأمان والسلامة ولا تصون حقوق أبنائنا لا تستحق أن تكون ضمن المنظومة التعليمية المصرية وسيتخذ ضدها إجراءات رادعة.. وهي تصريحات مهمة جدًا، وتشير إلي جدية الوزارة، ونيتها في اتخاذ الإجراءات العقابية المناسبة بحق هذه المدرسة، وغيرها من المدارس التي يثبت تهاونها أو استخفافها بأمن وسلامة أبناء المصريين.
إن أولياء أمور الطلاب وهم يتركون أبناءهم أمانة لدي هذه المدارس، إنما يتوقعون منها بذل قصاري جهدها لرعاية أبنائهم، منذ نزولهم من بيوتهم وركوبهم حافلة المدرسة، وحتي عودتهم إلي منازلهم بسلام، وخاصة أن هناك من يدخرون من قوتهم، وقد يحرمون أنفسهم من ضروريات الحياة، ليدفعوا رسوم المدارس الخاصة، وكل هذا من أجل الاطمئنان علي حاضر ومستقبل أبنائهم، وضمان حصولهم علي تعليم حقيقي، في بيئة آمنة ومستقرة.. فهل هم فاعلون؟!.