لا تحسبها هينة، إنما كالدبة التي قتلت صاحبها، وتعتقد أنها مجرد كلمات تعبر عن رأيك، وإذ بك أصبت شخصا بأضرار بالغة، وتظن أنك تنطق حقا، ولكنك تهرتل في سردك، وتنطلق منك الكلمات أشبه بالرصاص، تدَمي منها القلوب دما، ويخر منها الرجال صرعى، وإذ حاولت تضميد الجراح، وإدراك الخطأ، فلن يفيد لأنه جاء بعد فوات الوقت، وأصبح الجرح غائرا.
ولم يدرك صاحب المقذوفات القاتلة، أن كلماته انطلقت ومن المستحيل عودتها مرة أخرى إلى فوهة جوفه، ويضع حديث الرسول نهاية بائسة لهذا الغافل، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان لله لا يلقى لها بالا. يرفع الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا. يهوي بها في جهنم".
ومن المخزي أن في وقتنا الحاضر يبرز كثير من السفهاء والبخلاء في الواجهة، يثقل عليهم جبر الخاطر بكلمة طيبة، ولا يغيب عنا أن الحقد تملك قلوب العديد من البشر، وتحول إلى ظاهرة منافية للآداب، تضرب استقرار ولحمة المجتمعات، والمثير للدهشة لا يستطيعون إخفاء الغل، وينضح على ألسنتهم تلقائيا، وتأبى نفوسهم النطق بكلمة تسكن النفوس، وتذهب اليأس، ونتاج تلك الكلمات البوار لا تعد ولا تحصى، فهي تجرف الحياة من الأوطان، وتشعل حروبا، وبسبب كلمة يثور الإنسان، وتسيل الدماء ثأرا لكرامته، وفي النهاية يخسر مستقبله، ويفقد ما تبقى من حياته، وحين نرصد رد فعل الكراهية، نصطدم بأنها تزعزع الاستقرار، وتحرق المحصول، وتصيب الأيدي العاملة بالشلل، والنتيجة فشل وفقر.
ومرفوض الاستخفاف بكلمة قد يعتبرها صاحبها أنها على سبيل الدعابة، بينما تثير فتنة بين زوجين أو بين صديقين، وهو ما يحدث بالفعل في الواقع، ويحكي أن شخصا توسط بين زوجين وبينهما طفلان عزم على الانفصال، وكان الشخص محل ثقة الطرفين، وبدأ رحلته المكوكية بين الزوجين، ويتحدث تارة مع الزوجة بكلمات في ظاهرها الخير وفي باطنها غلا، ثم يتحدث تارة إلى الزوج، ويكرر نفس المكر معه، وتكون النتيجة المنطقية لرحلته الطلاق، ويستقبل الخبيث القرار مرتديا قناع الحزين، وقلبه يرقص فرحا، ولكن القرآن الكريم يشترط للإصلاح بين الزوجين توافر صدق السعي لإنهاء الخلاف، ويقول المولى عز وجل: "إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا"، وتؤكد الآية علم الله نية الخبير في الإصلاح من عدمه.
ولكي تٌميز بين الخبيث والطيب، تتبع معادن النفوس وأصل نشأتها، فعواء الذئب دليل الغدر مهما تجمل، وأظهر وداعة، والخيل على النقيض معقود على نواصيها الخير، ولو استعصى ترويضها، ومعنى الخير هنا الأجر العائد على صاحبها، والغنيمة التي يفوز بها.