جاء انعقاد القمَّة الخليجيَّة السَّادسة والأربعون في المنامة في لحظة إقليميَّة وعالميَّة تموجُ بالتَّحوُّلات، إذ فتحت أبوابا واسعة لإعادة قراءة الوضع الخليجي والإقليمي، وجاء حضور السُّلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، تأكيدًا على أهميَّة القمَّة ودَوْرها في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، بفضل ثقل الدور العُماني المشهود في جميع القضايا الإقليمية والدولية، إذ حملت المشاركة السَّامية رؤية استراتيجية تَعدُّ العمل الخليجي المشترك ركيزةً لحماية الاستقرار وصياغة مسار تنموي متوازن لدول المنطقة.
ولم تتوان عُمان يوماً عن دعم منظومة دول مجلس التعاون والعمل الخليجي المشترك من خلال المبادرات والرؤى، الإقليمية والدولية الهادفة لتحقيق الأمن الإقليمي الخليجي في سياق تحولات عالمية كبيرة، ومنطلقة من قناعات بأن الأمن والسلام والاستقرار هم ركائز قوة دول المنطقة.
وبقراءة تحليلية لهذه المشاركة التاريخية للسطان هيثم بن طارق، في أعمال القمة، فإنها تترجم مدى حرصه على ترسيخ منظومة التعاون التي تأسست قبل 4 عقود ونيف، عندما اجتمع القادة المؤسسون في ذلك الحين، للاتفاق على تأسيس كيان إقليمي لتعزيز التعاون والشراكة والتكامل في جميع المجالات، وهو المجلس الذي بات يمثل رمانة ميزان الإقليم، في مواجهة التحديات التي تعصف به بين الحين والآخر. وقد شهدت مسيرة مجلس التعاون الخليجي ازدهارًا ورخاءً خلال العقود المنصرمة، وعكست الحرص الشديد من قادة دوله على تعزيز المواطنة الخليجية، وترسيخ قيم التآخي والتعاضد والوحدة والتكامل، وتلبية متطلبات المواطن الخليجي؛ الأمر الذي أسهم في بناء نموذج تنموي متطور يُنافس كبرى الدول المتقدمة في العالم.
هذه المُشاركة الأولى للسلطان هيثم في القمة الخليجية، تبرهن أيضاً على التزام عُمان الراسخ تجاه الشأن الخليجي البيني، والحرص على مناقشة مختلف القضايا الإقليمية وغيرها من الملفات في إطار من المشاورات الأخوية الصادقة، التي تستهدف الصالح العام.
فعلى مدى القمم الخليجية الماضية، مثّل الحضور العُماني قوة فاعلة في صياغة سياسات المنطقة، انطلاقًا من الدور التاريخي لسلطنة عُمان، بعُمقها الجيوسياسي والحضاري، وظلّت عُمان سندًا وظهيرًا داعمًا لاستمرار منظومة التعاون الخليجية، كقوة إقليمية موحدة في مُواجهة المطامع الخارجية والتحديات التي تُحيط بنا من كل صوب.
ولطالما حرصت سلطنة عُمان على تطوير أواصر العلاقات مع كل دول مجلس التعاون الخليجي، وتجلّى ذلك في الزيارات الرسمية المتبادلة على أعلى مستوى، وليس أدل على ذلك من الزيارات الكريمة للسلطان هيثم بن طارق، إلى العواصم الخليجية؛ إذ أولى حرصًا شديدًا على أن تكون أولى الزيارات الخارجية بعد تولي مقاليد الحكم في عام 2020، إلى دول الخليج.
المؤكد أن سلطنة عُمان تتحرك وفق هذه القناعات وداخل هذا الإيقاع بثقة تستند إلى خبرة طويلة في إدارة توازنات الإقليم، وبحضور يضيف للقمَّة وزنًا سياسيًّا يُعزِّز قدرتها على إنتاج مسارات عمليَّة تتجاوز الخِطاب الاحتفالي إلى رؤية تُعِيد تشكيل مفهوم الشَّراكة الخليجيَّة وفْقَ شروط اللَّحظة الرَّاهنة، خاصة أن "قمة المنامة" عُقدت في توقيت بالغ الحساسية، في مرحلة "ما بعد حرب غزة"، والتي لا تزال ألسنة اللهب الإسرائيلية تعيث فساداً في الأراضي الفلسطينية رغم اتفاق إنهاء الحرب على غزة، فضلاً عن الاعتداءات الخارجية على قطر؛ الأمر الذي هدَّد منظومة الأمن الخليجي، واستنفر القوى الإقليمية.
وبرزت هذه الحقيقة في الخِطاب الَّذي تبنته سلطنة عُمان؛ إذ تمضي في نهج يوازن بَيْنَ الثَّبات على المبادئ والبحث عن مسارات تفتح بابًا لسلام يستند إلى العدالة وحماية الإنسان، نهجٍ منح للقمَّة بُعدًا إنسانيًّا تجاوز منطق البيانات؛ لأنَّ التَّجربة العُمانيَّة في التَّعامل مع النِّزاعات الإقليميَّة تُقدِّم نموذجًا يعتمد على الحكمة والقدرة على فَهْمِ جذور الأزمات، ما يتيح للمجلس تبنِّي رؤية أكثر اتساعًا تجاه مستقبل المنطقة ودَوْر الخليج في صياغته. إنَّ المستقبل الخليجي يقف اليوم أمام لحظة تُعِيد تشكيل أولويَّاته، لحظةٍ تحتاج إلى تصوُّر عملي يربط القوَّة الاقتصاديَّة بالاستقرار السِّياسي، ويمنح مجلس التَّعاون قدرة أعلى على التَّعامل مع واقع دولي يتغيَّر بسرعة غير مسبوقة.
ويتقدَّم مسار التَّكامل الاقتصادي إلى المشهد؛ باعتباره الخيار القادر على بناء قاعدة إنتاجيَّة مشتركة تستوعب تحدِّيات الطَّاقة، وتفتح المجال أمام استثمارات نوعيَّة تُعزِّز حضور الخليج في الأسواق العالميَّة، كما يأتي الأمن الجماعي داخل هذا السِّياق كمسار يكمل البناء الاقتصادي؛ لأنَّ التَّهديدات العابرة للحدود تفرض إعادة تطوير الأدوات المشتركة وفْقَ منظومة أكثر جاهزيَّة.
ومن هذا المنطلَق تُواصِل سَّلطنة عُمان دَوْرها في صناعة التَّوازن، من خلال رؤية تعتمد الحوار وتوسيع مساحة التَّفاهم بَيْنَ دول المجلس، ما منح القمَّة اتِّجاهًا واضحًا قادر على تحويل التَّحدِّيات إلى فرص، ويُعِيد رسم موقع الخليج في المشهد الدّولي من موقع الفاعل لا المتأثر، ومن موقع يمتلك القدرة على صياغة مساره بثقة راسخة.
المؤكد أن ملف الأمن والاستقرار يمثل التحدي الأكبر أمام دول مجلس التعاون، في ضوء التطورات الإقليمية والدولية الراهنة. وهنا نشير بوضوح إلى الدور الذي تؤديه منظومة الأمن الخليجي المشترك من كفاءة في التعامل مع التحديات، خاصة في ظل قوة درع الجزيرة التي تأسست عام 1982، في خطوة سعت - منذ ذلك التاريخ - إلى ترسيخ مفهوم الأمن الجماعي للدفاع عن دول المجلس واستقرارها والحفاظ عليها وعلى مكتسباتها. وشكَّلت القوة رمزًا للتعاون العسكري المشترك بين دول الخليج.
إن فكرة المنظومة الدفاعية الخليجية المشتركة يمكن أن تكون خطوة ضرورية في بيئة إقليمية خطرة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة درع حقيقي. الدرع المتين هو ذلك الذي يجمع بين قدرة عسكرية منسّقة، وسياسة خارجية متزنة تستثمر الثقل الخليجي للضغط نحو تسويات عادلة في المنطقة، وبين إصلاحات داخلية تعمّق الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وتجعل من التنمية مشروعا مشتركا.
ناهيك عن أن عدداً من الملفات المصيرية بات ضرورة حتمية لضمان الأمن والازدهار الخليجي المستدام، ووحدة الصف والأمن الإقليمي؛ وتعزيز التنسيق الأمني والدفاعي المشترك، وبلورة موقف موحد وفاعل تجاه القضايا الإقليمية الساخنة، والعمل على ترسيخ دور المجلس كقوة استقرار محورية، والتكامل الاقتصادي الجديد.
وبالتالي ثمة قرارات خليجية حاسمة لتسريع وتيرة التكامل الاقتصادي، لاسيما في مجالات الطاقة، والنقل، والاقتصاد الرقمي، ووضع استراتيجيات موحدة لمواجهة التحديات التي تشكلها التغيرات المناخية، والأمن السيبراني، والتطورات التكنولوجية المتسارعة، لضمان جاهزية دول المجلس للمستقبل.
إذن المشهد العام يؤكد أنَّ دول الخليج تستشعر حجم التَّحوُّلات العالميَّة، مما يدفعها إلى توسيع نطاق التَّنسيق وتطوير أدوات مشتركة تستوعب متطلبات مرحلة تتغيَّر فيها البنية الاقتصاديَّة الدوليَّة، وتتصاعد فيها التَّحدِّيات والتَّهديدات العابرة للحدود. ومن هنا فإن بناء منظومة خليجية واحدة في مصالحها وسياساتها، بما يُعزِّز قدرة الخليج على حماية استقراره وصياغة موقعه في المشهد الدّولي المتسارع، بات أمراً ملحاً.
إجمالاً يمكن القول أن مشاركة السلطان هيثم في هذه المحطة المهمة لمسيرة مجلس التعاون لدول الخليجي العربي، كوقفة تاريخية تعكس دورًا فاعلًا لسلطنة عُمان في تثبيت أركان البيت الخليجي، وحرصًا عُمانياً أصيلًا على أن تبقى مسيرة مجلس التعاون راسخة، قابلة للنمو والتجديد، وقادرة على حماية شعوبها في عالم يموج بالتحولات والمتغيرات والتحديات الكبرى.