قوتنا ركيزة لصنع السلام والحفاظ عليه، ومنظومات أسلحتنا للردع وليس استعراض القوة المجوّف، نحن نمتلك السلاح ليس لنحارب أو نستعرض به، لكن نمتلكه حتى لا نضطر للحرب، وإذا اضطررنا ننتصر ولا خيار ثان..فالقوة العسكرية هنا هي سند للسياسة الرشيدة التي تسعى دائمًا إلى الحلول السلمية والتفاوضية، لكنها مستعدة لكل الخيارات.
فى توقيت لا يمكن وصفه إلا بأنه «دقيق» و«حرج»، حيث تتناثر بؤر التوتر كـ «حقول ألغام» على خريطة المنطقة الملتهبة، وحيث تتراوح التهديدات بين صراعات جوار مباشر لا تُبقي ولا تذر، وأخطار استراتيجية تمتد لتمس شرايين المصالح الحيوية البعيدة لمصر، تحولت القاهرة إلى ما هو أبعد من مجرد مركز دبلوماسي، لتصبح منصة استعراض للقوة الردعية والتقنية العسكرية الفائقة.
فلم يكن معرض « إيديكس 2025 » للصناعات الدفاعية، الذى استضافته مصر ببراعة تنظيمية معهودة، مجرد حدث روتينى لتوقيع صفقات الأسلحة أو تحديث سنوى لكتالوجات الجيوش، بل كان بكل المقاييس والأبعاد الاستراتيجية سلسلة من الرسائل الصارمة، الموجهة بدقة متناهية، إلى كل من تسوّل له نفسه العبث بالأمن القومى المصرى أو يظن أنه قادر على تهديد استقراره.
ففى ظل التوترات المتصاعدة على الاتجاه الاستراتيجى الشرقى وما يحدث فى غزة من محاولات لفرض وقائع جيوسياسية جديدة، وفى ظل تحديات الجنوب المتعلقة بأمن الحدود السودانية ومصير الحصة المائية من النيل، تبدو مصر اليوم وهى تتصرف بسياسة رشيدة مدعومة بقبضة عسكرية قوية، وما حدث فى «إيديكس» يمثل إظهارًا للقوة كركيزة للسلام، ويؤكد أن الردع هو الضمانة الأولى لاستقرار الأمة، ودلالة على السياسة الرشيدة التى تجمع بين الحِنكة الدبلوماسية والردع العسكرى الحاسم.
رسائل الردع المباشرة
وكان من أبرز ما لفت الانتباه هو الرسالة الموجهة إلى التهديدات المباشرة والقريبة القادمة من الاتجاه الاستراتيجى الشرقى، فى ظل التوترات المتصاعدة فى قطاع غزة وما يصاحبها من تصريحات إسرائيلية «مستفزة» أو محاولات لفرض واقع جديد قد يمس الأمن القومى المصرى، فقد كان عرض منظومات الدفاع الجوى والبحرى والبرى المصرية المتطورة بمثابة خط أحمر مرئى، والأسلحة المعروضة، سواء كانت من إنتاج محلى متزايد أو من شراكات دولية قوية، كانت تبعث برسالة واضحة مفادها أن السيادة المصرية خط أحمر لا يمكن المساس بها، وأن القاهرة تملك القدرة والقرار للرد بحسم على أى محاولة لتهديد استقرارها أو محيطها الجغرافى القريب، إنها رسالة «ردع قريب» تؤكد الاستعداد التام لمواجهة التحديات المباشرة.
تأمين العمق الاستراتيجي
ولا يقل الاتجاه الجنوبى أهمية، حيث تتشابك تهديدات الصراع فى السودان بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، مع التحديات التى يفرضها سد النهضة الإثيوبى وسوء إدارته الواضح وتأثيره على حصة مصر من مياه النيل، وعروض «إيديكس» المتعلقة بالقدرات اللوجستية، وقوات التدخل السريع، ومنظومات الاستطلاع والمراقبة، تخدم بشكل أساسى متطلبات «الردع البعيد» وتأمين العمق الاستراتيجى المصرى، والوجود القوي لمصر عسكريًا فى هذا التوقيت يمثل دعمًا للجهود الدبلوماسية لحل أزمة السودان، كما أنه يشدد على أن الأمن المائى المصرى هو جزء أصيل من الأمن القومى، وأن مصر لن تقف مكتوفة الأيدى أمام أى إجراء أحادى يهدد حياة شعبها، فالقوة العسكرية هنا هى سند للسياسة الرشيدة التي تسعى دائمًا إلى الحلول السلمية والتفاوضية، لكنها مستعدة لكل الخيارات.
رسائل تحت ركام التوتر
ومن زار المعرض فى نسخته الرابعة هذا العام، لم يكن يرى فقط أحدث جيل من الطائرات المقاتلة، أو منظومات الدفاع الجوى المتطورة، أو حتى الدبابات المدرعة التى تُعد فخر الصناعات الغربية والشرقية؛ بل كان يقرأ فى كل قطعة سلاح معروضة، وفى كل نموذج مصغر لمنظومة صاروخية، بيانًا استراتيجيًا غير مكتوب.
لقد أدركت القيادة المصرية، بعمق وبصيرة، أن اللغة الوحيدة المفهومة فى عالم متوحش تحكمه المصالح هو «منطق القوة الرادعة»، وفى ظل تحديات تمتد من الحدود الغربية والجنوبية المضطربة، مرورًا بمخاطر الأمن المائى فى الجنوب، وصولًا إلى تهديدات المتوسط الشرقية والتحركات غير المحسوبة فى الإقليم، جاء « إيديكس 2025» ليؤكد بصوت المدفع أن مصر جاهزة، ومستعدة، وعلى أهبة الاستعداد.
«الردع الذكي» للعمق والمدى
وأكثر ما لفت الانتباه هذا العام أيضا هو التركيز غير المسبوق على الأسلحة القادرة على الردع فى العمق، لم تعد القاهرة تكتفى بالدفاع على حدودها المباشرة، بل استعرضت منظومات صاروخية وبرية وبحرية تؤكد قدرتها على مد يد القوة إلى أي مصدر للتهديد، بغض النظر عن بعده الجغرافى، هذا استعراض واضح للقدرة على «إدارة الصراع» بعيدًا عن المجال الحيوى المباشر، وتأكيد على أن المصالح المصرية، من مياه النيل إلى غاز المتوسط، هى خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ومنظومة الدفاع الجوى التى استعرضتها مصر، لم تكن مجرد تحديث، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن «سماء مصر» عصيّة على الاختراق، ولن تسمح لأى جسم غريب أن يهدد مصالحها الحيوية أو يتجسس على تحركاتها.
التنويع الاستراتيجي وميزان القوى
كما أن القفزة النوعية فى المعروضات المصرية والدولية كشفت عن استراتيجية تنويع مصادر السلاح بذكاء شديد، لم تعد مصر تعتمد على قطب واحد، بل استعرضت شراكات عميقة مع الغرب (الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا)، ومع الشرق ( روسيا و الصين )، بل مع قوى صاعدة مثل كوريا الجنوبية ، هذا التنويع ليس مجرد عملية شراء، بل هو مناورة استراتيجية تمنح القاهرة مرونة غير مسبوقة فى اتخاذ القرار السياسى والعسكرى، وتحصنها من أى ضغوط خارجية قد تحاول استخدام ورقة السلاح لليّ ذراع الدولة.
العمود الفقرى الحقيقى
والحديث عن « إيديكس 2025» لا يكتمل دون تسليط الضوء على العمود الفقرى الحقيقى للمعرض: الصناعات الدفاعية المصرية، لم تعد مصر مجرد مستورد للسلاح، بل أصبحت شريكًا، وفى بعض المجالات، أصبحت مصنّعًا ومصدرًا، والمشاركة الكثيفة لشركات الإنتاج الحربى والهيئة العربية للتصنيع كشفت عن طفرة حقيقية فيتصنيع الذخائر والمقذوفات، وهو شريان الحياة لأى جيش فى حالة صراع طويلة الأمد، والمنظومات الإلكترونية والرادارات، التى تمنح الجيش ميزة «المعرفة قبل الآخر» فى ساحة المعركة الحديثة، تطوير المدرعات الخفيفة والأجهزة اللوجستية، بما يتناسب مع طبيعة المهام غير التقليدية فى مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، هذا التوجه نحو «الاكتفاء الذاتى الجزئى» فى السلاح هو الضمانة الأكيدة لاستقلالية القرار المصرى، فالدولة التى تصنع سلاحها بيدها، هى دولة لا تخشى تهديد قطع الغيار أو تجميد الصفقات، وهو درس مستفاد بعمق من التقلبات الإقليمية والدولية الأخيرة.
رسائل الرصاصة تعرف عنوانها
فى كل رصاصة معروضة رسالة تعرف عنوانها لأين ستذهب ولمن تذهب وكيف ستذهب؟!.. للجماعات المسلحة على الحدود: استعراض متقدم لأسلحة مكافحة الإرهاب والمراقبة يؤكد أن زمن التسلل والعبور قد انتهى، وأن أى محاولة لاختراق الأمن على المحورين الغربى أو الشمالى الشرقى ستواجه برد قاس وفورى.
للقوى الإقليمية الطامعة: استعراض السفن الحربية والمنظومات الصاروخية بعيدة المدى على السواحل، ورسالة واضحة بأن أى محاولة للتعدى على مناطق الاقتصادية الخالصة فى المتوسط أو البحر الأحمر ستُعتبر عدوانًا مباشرًا.
للشركاء الدوليين: المعرض كان تأكيدًا على أن الجيش المصرى ليس مجرد مستهلك، بل هو «شريك استراتيجى» قوى، قادر على حفظ استقرار المنطقة، هذه القوة هى صمام الأمان الذى يحمى الممرات الملاحية العالمية، ما يعنى أن دعم القاهرة هو استثمار فى الأمن العالمى وليس مجرد مساعدة.
استعراض للعضلات.. أم للضرورة الوطنية
لم يكن « إيديكس 2025» استعراضًا للعضلات من أجل التفاخر، بل كان استعراضًا للضرورة الوطنية ففى منطقة
لا تزال فيها لغة القوة هى الأقوى، فإن بناء جيش عصرى ورادع هو أقصر الطرق وأضمنها للحفاظ على السلام والاستقرار.
ما شاهدناه فى إيديكس هو رؤية استراتيجية متكاملة تقول بوضوح «مصر لا تبحث عن حرب، لكنها لن تسمح لأحد بتهديد أمنها، ولن تتردد فى استخدام كل ما تملك من قوة لحماية أرضها وشعبها ومصالحها الحيوية».
كانت هذه الأسلحة المعروضة فى «إيديكس» هى صواريخ تحكى رسالة واضحة وبلا لبس: الأمن القومى المصرى هو خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه أو العبث به، وهى رسالة استوعبها الجميع، القريب والبعيد، الحليف والخصم، فى هدوء صالة العرض العسكرى.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن