بعد عامين غابت فيهما أجواء عيد الميلاد في الأراضي الفلسطينية، يعود من جديد قرع الأجراس وترديد الترانيم، ووهج الاحتفالات في كنيسة المهد ب بيت لحم مسقط رأس السيد المسيح، بعدما اقتصر المشهد منذ الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023، على أداء الصلوات والشعائر الدينية حدادًا على ضحايا أشقائهم في القطاع.
بقلوب مفعمةٍ بالأمل، يخرج الناس من المدن والبلدات الفلسطينية للاحتفال بميلاد رسول السلام، متحدة ألسنتهم على دعاء واحد: أن يصمد وقف إطلاق النار في غزة، وأن ينبض قلبها من جديد في صدور أبنائها بعد حرب تبتلع الفرح والبهجة والوجوه والوجود.

رسالة السلام
ووسط أجواء الاحتفال المهيب، يظهر الأب د. طلعت عواد، راعي كنيسة رقاد العذراء للروم الأرثوذكس ببلدة عابود قضاء رام الله، ويصف لـ«بوابة دار المعارف» مشاهد الأمل التي تشق طريقها في قلب مهد المسيح، قائلًا: "لابد أن تعود الاحتفالات مرة أخرى بعد توقفها بسبب الحرب الإسرائيلية ضد أهالينا في قطاع غزة، لأن ميلاد السيد المسيح يملأ قلوبنا بالأمل والرجاء، ويذكرنا برسالة السلام التي جاء لإرسائها بين البشر، وهذه هي رمزية العيد."
وبدعاء يحمل الرجاء، يواصل راعي الكنيسة حديثه: "نرجو من الله أن تعود الفرحة والأمل إلى سابق عهدها في قطاع غزة، وأن تنتهي الحرب بآلامها ومعاناتها دون أن تطرق أي باب في الأراضي الفلسطينية، وأن تتحقق فينا رسالة الميلاد: أن يعم السلام في كل العالم، ونرنم مع الملائكة والراعاة: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة."
الإبتسامة ترتسم على الوجوه
ومع تدفّق الناس إلى الكنائس والساحات، تتقدم مريم لطيف، إحدى سكان رام الله، لتروي كيف استقبلت وأطفالها عودة أجواء الاحتفال في بيت لحم هذا العام، قائلة: "لأول مرة منذ وقت طويل، أسمع ضحكات أطفالي فرحًا بقدوم العيد تملأ المكان، شعور لا يوصف، وكأن الفرح يعود إلى حياتنا خطوة خطوة."
وتضيف بنبرة تختلط فيها الذاكرة الثقيلة مع بصيص الضوء: "أيام الحرب كانت ثقيلة علينا جميعًا، لكن اليوم، أشعر أن القلب يبدأ بالنبض مرة أخرى."
ثم ترفع عينيها نحو الأجراس المعلّقة في أعلى الكنيسة: "حتى أصوات الأجراس وهي تدق، تجعلني وأنا لستُ بطفلة أفرح كفرحة الأطفال، ربما لأنها غابت الفترة الأخيرة؛ بسبب ما يحدث في غزة."
وتختم بدعاء يشبه شمعة مضاءة في ظلام طويل: "أتمنى أن تبقى هذه اللحظات، وأن تعود الضحكات لكل الأطفال في غزة، وأن يعرفوا معنى الميلاد والكرامة والأمل، بعيدًا عن الخوف والدمار."

شجرة الميلاد تضيء قلب المدينة
ومن بين آلاف الناس الذين يتسارعون نحو كنيسة المهد، تقف الإعلامية أريكا زيدان ، ابنة مدينة بيت لحم، تحت شجرة الميلاد لحظة إنارتها في ساحة المهد، وتبدأ حديثها لـ«بوابة دار المعارف»: "وكأن ما أراه عيني الآن للمرة الأولى منذ العامين الماضيين، ليس مجرد إنارة لشجرة الميلاد، بل قيامة مدينة، عقب عامين يكون فيهما الصمت أثقل من الحجر."
وتسير في ساحة الكنيسة، وهي تواصل حديثها: "الآن تعود بيت لحم لتقول للعالم: قومي استنيري لأن نورك ما ينطفئ ولا لحظة".. فرغم أن وجوه الكثير من الناس متعبة، وبداخلها الآلام مثل الأرض التي نعيش عليها، لكن كلنا فرحة لا تساع العالم بعودة احتفالاتنا."
وتتنفس بهدوء شديد، ثم تقول: "عندما أسمع رنة الأجراس، تبدأ دقات قلبي تسابق الرنات، وأشعر أن قلوبنا لا تزال قادرة على الفرح، حتى وإن كان مرتبكًا، وحتى إذا كان الدمع لا يزال واقفًا على طرف العين."
وبثبات، تضيف: " بيت لحم هذا العام لا تحتفل فقط بعيد الميلاد، بل نحتفل بالكرامة، وكأنها تطل على العالم من قلب الوجع وتقول: إحنا من هون، من المغارة التي وُلد فيها السلام، نولد من جديد مهما اشتدت العتمة."
نور يليق بغزة
وبأمنية تحمل السلام لغزة، تختتم حديثها قائلة: "أمنيتي هذا العام بسيطة لكنها عميقة، وهي: السلام لغزة، ونور لأطفالها، وراحة لكل أم فلسطينية نامت على خوف.. وضوء شجرة الميلاد لا يغيب مرة أخرى."

وفي سياق متصل بعودة نبض الاحتفال إلى المدينة، عبّر ماهر قنواتي رئيس بلدية بيت لحم، في تصريحات له، عن رمزية هذا اليوم بعد سنوات من الانطفاء، قائلًا: " بيت لحم مرت بمحطات قاسية بدأت مع الجائحة التي أغلقت الحياة في وجه الجميع، ثم جاءت الحرب لتثقل القلوب وتهدد الوجود على الأرض الفلسطينية، لكن إضاءة شجرة الميلاد اليوم يعلن عن بداية مضيئة رغم كل ما مضى."
وأضاف في كلمته قبل لحظة إضاءة الشجرة: "النور قادر على الفوز مهما كثرت الجراح، وأن بيت لحم — رغم الألم — ستظل مدينة آمنة تستقبل كل من يقصدها بقلب مفتوح وروح سلام."
إضاءة جديدة في ميلاد السلام
كما وجه "قنواتي" رسالة محملة بالأمل، دعا فيها إلى زيارة بيت لحم وتعزيز حضورها الإنساني والتاريخي، معتبرًا أن الوقوف إلى جانب هذه المدينة العريقة وإحياء شوارعها وأعيادها يُعد دعمًا لصمود أهلها وإضاءة جديدة في ميلاد السلام.