على الرغم من أن مرض السكري يُعد من أقدم الأمراض التي عرفها الإنسان، حيث تم وصفه منذ آلاف السنين في بردية إبيرس المصرية، إلا أن انتشاره المتزايد عالميًا، خصوصًا بين الفئات العمرية الأصغر سنًا، يثير قلق الأطباء والباحثين، ويدفع إلى تسليط الضوء على العوامل الخفية المرتبطة به وسبل الوقاية الممكنة للحد من مضاعفاته.
ويختلف السبب الرئيسي للإصابة بالسكري تبعًا لنوعه؛ ففي النوع الأول يحدث المرض نتيجة هجوم الجهاز المناعي على خلايا البنكرياس المنتجة للأنسولين، بينما يرتبط النوع الثاني غالبًا بمقاومة الجسم للأنسولين بسبب السمنة وقلة النشاط البدني.
إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى وجود علاقة وثيقة ومؤثرة بين مرض السكري وأمراض اللثة والأنسجة حول السنية.
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة عمام عمام، أخصائية أمراض وجراحة اللثة وزراعة الأسنان، أن أمراض اللثة لم تعد مجرّد مشكلة موضعية في الفم، بل هي حالة التهابية مزمنة تؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة، موضحة أن الجمعيات الطبية العالمية صنّفت العلاقة بين السكري وأمراض اللثة على أنها علاقة ثنائية الاتجاه، حيث يؤثر كل منهما في الآخر بشكل واضح.
كيف يؤثر مرض السكري على صحة اللثة؟
يشير الأطباء إلى أن ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة يؤدي إلى تغيرات سلبية في المناعة والأوعية الدموية والأنسجة المحيطة بالأسنان.
ويسهم ذلك في إضعاف كفاءة خلايا الدم البيضاء، وتقليل التروية الدموية للثة، وزيادة نمو البكتيريا الضارة في الفم، ما يسرّع من تطور الالتهابات اللثوية ويزيد من شدتها.
وغالبًا ما يعاني مرضى السكري من نزف اللثة، تراجع العظم الداعم للأسنان، وحركتها، وقد يصل الأمر إلى فقدان الأسنان في حال إهمال العلاج.
أمراض اللثة تُصعّب التحكم في السكري
في المقابل، توضح الدكتورة عمام أن التهاب اللثة المزمن يسهم بدوره في تفاقم السكري، إذ تطلق البكتيريا الفموية مواد التهابية تنتقل عبر الدم، ما يزيد من مقاومة الخلايا للأنسولين ويؤدي إلى صعوبة التحكم في مستوى السكر.
كما أظهرت الأبحاث أن المرضى المصابين بأمراض اللثة غير المعالجة يعانون من تذبذب أكبر في القراءات السكرية، وقد يحتاجون إلى جرعات أعلى من الأدوية لتحقيق التحكم المطلوب.
وتشير دراسات علمية إلى أن علاج أمراض اللثة يمكن أن يؤدي إلى خفض ملموس في مستوى HbA1c، وهو تأثير يقارب في بعض الحالات نتائج العلاجات الدوائية المساندة للسكري.
علامات تحذيرية لا يجب تجاهلها
تحذر أخصائية أمراض اللثة مرضى السكري من تجاهل بعض الأعراض الفموية، مثل نزف اللثة المتكرر، الاحمرار والتورم، رائحة الفم الكريهة المستمرة، تراجع اللثة، تحرك الأسنان، وبطء التئام الجروح داخل الفم، مشيرة إلى أن ظهور هذه العلامات قد يدل على التهاب لثوي نشط أو على عدم استقرار مستوى السكر في الدم.
الوقاية والعلاج.. خط الدفاع الأول
وتؤكد الدكتورة عمام أن الوقاية تمثل حجر الأساس في حماية اللثة وضبط السكري، من خلال الالتزام بتنظيف الأسنان مرتين يوميًا، استخدام الخيط الطبي، المتابعة الدورية مع طبيب الأسنان، وضبط مستويات السكر عبر نظام غذائي صحي ونمط حياة نشط. كما يُعد الإقلاع عن التدخين خطوة ضرورية لتقليل شدة الالتهابات وتحسين نتائج العلاج.
أما علاج أمراض اللثة لدى مرضى السكري، فيعتمد على شدة الحالة، وقد يشمل التنظيف العميق للجذور، استخدام المضادات الحيوية عند الحاجة، التدخل الجراحي في الحالات المتقدمة، إلى جانب التنسيق المستمر بين طبيب الأسنان وطبيب الغدد الصماء.
الخلاصة
تؤكد الأبحاث الطبية أن صحة الفم تمثل جزءًا لا يتجزأ من الخطة العلاجية لمرضى السكري، فإهمال اللثة قد يؤدي إلى صعوبة التحكم في المرض وتفاقم مضاعفاته، بينما تساهم العناية الفموية الجيدة في تحسين جودة الحياة والصحة العامة.
ومن هنا، تصبح المتابعة المنتظمة والعلاج المبكر عاملين حاسمين لحماية الفم وضبط السكري في آنٍ واحد.