في الحادي عشر من ديسمبر، تحتفل الفنانة لوسي بعيد ميلادها، تلك السيدة التي خرجت من قلب الصعيد حاملة اسمها الحقيقي إنعام سعد محمد عبد الوهاب، لتخط مسيرة فنية لا تشبه إلا نفسها. ولدت عام 1960، وبين ملامحها التي تجمع بين قوة الشخصية ورقة الروح، تشكّل مشروع فنانة أدركت منذ بداياتها أن الطريق إلى النجومية يبدأ بالصدق مع النفس أولاً.
جاءت بدايتها من عالم الرقص الشرقي، ذلك العالم الذي صنع لها حضورًا قويًا على خشبة المسرح، لكنه لم يقف يومًا حاجزًا بينها وبين حلمها الأكبر: أن تصبح ممثلة كاملة، لا تُختزل في خطوة أو إيقاع. ومع مرور السنوات، بدأ الجمهور يكتشف ممثلة تمتلك أدواتها، وتعرف كيف تمنح الشخصية نبضًا حيًا مهما كان حجم الدور.
ومع اتساع حضورها الفني، تركت لوسي الرقص بشكل نهائي، واتجهت بكامل طاقتها إلى التمثيل، وكأنها كانت تؤمن بأن لكل مرحلة في العمر رسالة جديدة. كانت محطتها الأهم عندما شاركت في سلسلة ليالي الحلمية، العمل الذي يعد من أهم كلاسيكيات الدراما المصرية. ظهرت فيه بدور بنت أخت سماسم، وزوجة أسطى زكريا الأولى، ثم زوجة مصطفى رفعت، واستطاعت من خلال أدائها أن تثبت أن ملامح الصعيد لم تترك قلبها، وأن جذورها الأصيلة تنعكس في أدوارها مهما تنوّعت.
لم تكتفِ لوسي بالدراما الاجتماعية أو الشعبية فحسب، بل قدمت دراما صعيدية كاملة من خلال مسلسل البيت الكبير، واستطاعت فيه أن تمنح العمل حضورًا صادقًا ينبع من إحساسها الحقيقي بالبيئة التي جاءت منها.
لم تبتعد لوسي كذلك عن التجربة الاستعراضية، فقدمت فوازير رمضان مرتين. كانت التجربة الأولى بعنوان فوازير أبيض وأسود لصالح قنوات art، وشاركها خلالها محمد هنيدي وأشرف عبد الباقي قبل أن يصبحا من كبار نجوم الكوميديا. أما التجربة الثانية فكانت مع التلفزيون المصري بعنوان فوازير قيما وسيما، وشاركتها فيها الفنانة القديرة أمينة رزق، فبدا وكأنها تمرر المشعل بين جيلين، يتقاطعان في الحب العميق للفن.
وخلال مسيرتها التلفزيونية، تركت لوسي بصمتها في عشرات الأعمال، من بينها النوة، الشراقي، أرابيسك، زيزينيا، كناريا وشركاه، غدر وكبرياء، سلطان الغرام، كلام نسوان، مذكرات سيئة السمعة، الباطنية، سمارة، البيت الكبير، ولي العهد، الكيف، انحراف، المداح 3، وفهد البطل. كانت دائمًا امرأة تعرف موقعها في الدراما، وتعي كيف تمنح الدور ثقله دون مبالغة ودون ضجيج.
أما على شاشة السينما، فقد قدمت مجموعة واسعة من الأفلام المتنوعة بين الاجتماعي والكوميدي والأكشن، منها الطعم والسنارة، صائد النساء، دائرة الانتقام، على باب الوزير، كيد العوالم، حب في الثلاجة، المشاغبات في خطر، ليه يا بنفسج، البحث عن سيد مرزوق، كرسي في الكلوب، تسليم أهالي، ورومانتيكا. وفي كل مرة، كانت تختبر جانبًا جديدًا من قدرتها على التعبير، من الرشاقة الاستعراضية إلى الأداء الهادئ العميق القائم على التفاصيل.
وبين البدايات البسيطة والطموحات التي لم تتوقف، نجحت لوسي في أن تحجز لنفسها مكانًا ثابتًا على خريطة الفن المصري. لم تتغير مبادئها، ولم تتخل عن اعتزازها بأصلها الصعيدي الذي ينعكس في صدقها وحدتها ووضوحها. ربما كانت حياتها مليئة بالتحولات، لكنها بقيت وفيّة لخط واضح: الإيمان بأن الفن مهنة تحتاج إلى تعب، التزام، وحب لا يُساوم.
في عيد ميلادها، تبدو لوسي كأنها تلخص حكاية امرأة صنعت نفسها بنفسها، بدأت من الهامش، ثم تقدمت بثقة إلى أن أصبحت جزءًا من الذاكرة الفنية المصرية. ولأنها تعرف أن العمر مجرد عدد، تظل لوسي واحدة من الفنانات اللاتي يحتفظن بالطاقة نفسها، والرغبة نفسها في تقديم المزيد، مهما مرّ الزمن.
كل عام و لوسي قادرة على أن تمنح جمهورها ما ينتظره منها: أداءً صادقًا، وروحًا لا تخطئها العين.