قُصّر أمام القضاء: قانون الطفل تحت الاختبار مع تصاعد الجرائم الخطِرة

قُصّر أمام القضاء: قانون الطفل تحت الاختبار مع تصاعد الجرائم الخطِرةقُصّر أمام القضاء: قانون الطفل تحت الاختبار مع تصاعد الجرائم الخطِرة

آدم وحواء13-12-2025 | 14:36

يثير سنّ المسؤولية الجنائية للأطفال في مصر نقاشًا قانونيًا ومجتمعيًا واسعًا، في ظل تصاعد جرائم يتورط فيها قُصّر ، وتغيّر طبيعة الجريمة مع التطور التكنولوجي. وبين فلسفة تقوم على الحماية والإصلاح، وأخرى تطالب بالتغليظ والردع، تتعقّد الإجابة عن سؤال: هل يكفي القانون الحالي لمواجهة الواقع الجديد ؟

في هذا السياق، توضح المحامية نهلة وهمان أن القضية لا تحتمل إجابة قاطعة بـ«نعم» أو «لا»، بل تتطلب تفكيكًا قانونيًا واجتماعيًا ونفسيًا متكاملًا، يبدأ من النصوص القائمة، ويمر بوجهات النظر المتعارضة، وصولًا إلى إشكالية النضج النفسي والاجتماعي كمعيار بديل للعمر الزمني.

الوضع القانوني الحالي في مصر

ينظم قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008 المسؤولية الجنائية للأطفال، مرتكزًا على فلسفة الحماية والإصلاح بدلًا من العقاب والردع، ويُعرّف الطفل بأنه كل من لم يبلغ 18 عامًا.

التدرج في المسؤولية الجنائية وفقًا للقانون:

أقل من 7 سنوات: انعدام تام للمسؤولية الجنائية، ولا يُسأل الطفل عن أفعاله.

من 7 إلى 12 سنة: لا مسؤولية جنائية ولا عقوبات، ويُنظر إليهم باعتبارهم «معرضين للانحراف»، وتُتخذ بحقهم تدابير تربوية بسيطة مثل التسليم لولي الأمر أو التوبيخ.

من 12 إلى 15 سنة: تبدأ المسؤولية الجنائية دون تطبيق عقوبات تقليدية (حبس أو غرامة)، ويُستعاض عنها بتدابير إصلاحية أشد، مثل الإيداع في مؤسسات الرعاية الاجتماعية أو التدريب المهني.

من 15 إلى 18 سنة: تمثل هذه المرحلة جوهر الإشكالية؛ إذ يُسأل الطفل جنائيًا ويمكن حبسه، لكنه يتمتع بـ«عذر مخفف وجوبي»، فلا يجوز الحكم عليه بالإعدام أو السجن المؤبد أو الأشغال الشاقة، وتُستبدل العقوبات الأشد بأخف منها، على ألا تتجاوز مدة الحبس غالبًا 15 عامًا في أقصى الجرائم خطورة، وتُنفذ داخل مؤسسات عقابية خاصة بالأحداث لا سجون البالغين.

تمام 18 سنة: تكتمل المسؤولية الجنائية ويُعامل الشخص معاملة البالغين.

الجدل حول كفاية القانون في مواجهة الجرائم الحديثة

ينقسم الرأي القانوني والمجتمعي إلى فريقين رئيسيين:

الفريق الأول: القانون غير كافٍ ويحتاج إلى تعديل (أنصار تغليظ العقوبة)

يرى هذا الفريق، الذي يضم قطاعًا من الرأي العام وبعض الفقهاء ورجال الأمن، أن القانون الحالي أصبح غير ملائم لواقع جديد، ويستند إلى عدة حجج، أبرزها:

تغير طبيعة الجرائم: لم تعد جرائم الأحداث مقتصرة على السرقات البسيطة أو المشاجرات، بل تشمل جرائم قتل مع سبق الإصرار، وتجارة مخدرات، واغتصاب، والانضمام إلى جماعات إرهابية منظمة، يرتكبها مراهقون في سن 16 و17 عامًا.

الجرائم الإلكترونية: يُعد هذا التحدي الأبرز؛ إذ قد يرتكب مراهق جرائم ابتزاز إلكتروني أو اختراق أنظمة أو إدارة شبكات احتيال مالي، مُحدثًا أضرارًا جسيمة تفوق أحيانًا جرائم العنف التقليدية، بعدما منحت التكنولوجيا القاصر قدرات تتجاوز عمره الزمني.

استغلال الكبار للقُصّر: تدرك العصابات الإجرامية تخفيف العقوبة لمن هم دون 18 عامًا، فتتعمد استخدامهم كأدوات لتنفيذ جرائم كبرى مثل نقل المخدرات أو تنفيذ الاغتيالات.

الفجوة بين النضج والعمر: يرى هذا الفريق أن مراهق اليوم، بفضل الانفتاح والإنترنت، يمتلك وعيًا بخطورة أفعاله يفوق أجيالًا سابقة، ما يجعل افتراض نقص إدراكه افتراضًا غير واقعي.


مطالب هذا الفريق:
خفض سنّ المسؤولية الجنائية الكاملة إلى 16 عامًا في الجرائم الخطرة، أو على الأقل تغليظ العقوبات على الفئة العمرية (15–18) في جرائم محددة مثل القتل العمد والإرهاب.


الفريق الثاني: القانون كافٍ ويجب الحفاظ عليه (أنصار الحماية والإصلاح)

يضم هذا الاتجاه منظمات حقوق الطفل، وخبراء علم النفس والاجتماع، وعددًا من الفقهاء الدستوريين، ويستند إلى مبررات عدة، منها:

الالتزامات الدولية: مصر موقعة على اتفاقية حقوق الطفل التي تُعرّف الطفل بأنه كل من لم يبلغ 18 عامًا، وأي خفض للسن يُعد مخالفة صريحة لتلك الالتزامات.

عدم اكتمال النضج النفسي والبيولوجي: تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن الفص الجبهي المسؤول عن ضبط الاندفاعات وتقييم العواقب لا يكتمل نموه إلا في منتصف العشرينات، ما يجعل المراهق حتى سن 18 أكثر اندفاعًا وقابلية للتأثر.

الإصلاح لا الانتقام: يؤكد هذا الفريق أن السجن المشدد والتغليظ لا يصنعان سوى مجرمين أكثر احترافية، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف تفعيل التدابير الإصلاحية المنصوص عليها قانونًا.

الطفل ضحية لا جانيًا: في كثير من الجرائم، خاصة المرتبطة بالمخدرات أو الإرهاب، يُنظر إلى الطفل باعتباره ضحية استغلال من بالغين أو بيئة فاسدة، ومعاقبته كراشد يُعد ظلمًا مضاعفًا.


النضج النفسي والاجتماعي كمعيار بديل

تطرح المحامية نهلة وهمان تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن استبدال العمر الزمني بالنضج النفسي والاجتماعي في تحديد المسؤولية الجنائية؟

نظريًا: يُعد هذا الحل الأكثر عدالة، إذ تُقاس المسؤولية بقدرة الشخص على إدراك خطورة فعله، لا بتاريخ ميلاده فقط. فقد يكون شخص في 16 عامًا أكثر نضجًا من آخر في العشرينات.

عمليًا وقانونيًا: يصعب تطبيق هذا المعيار لأسباب عدة، أبرزها:

غياب مقياس علمي دقيق وموحد لقياس «النضج الجنائي».

اختلاف تقديرات الخبراء النفسيين، ما يفتح بابًا للطعن وعدم استقرار الأحكام.

حاجة القانون الجنائي إلى معايير واضحة وحاسمة، وهو ما يتيحه العمر الزمني رغم عيوبه.

الحل الوسط المطروح:
تشير بعض النظم القانونية المقارنة إلى إمكانية الإبقاء على سن 18 عامًا، مع منح القاضي سلطة تقديرية في الجرائم شديدة الخطورة للفئة العمرية (16–18)، بحيث يستعين بخبراء نفسيين واجتماعيين لتحديد مدى نضج المتهم، ويقرر بناءً عليه تطبيق عقوبات البالغين أو الاكتفاء بالتدابير المخففة.
إلا أن هذا النظام غير مطبق في مصر حاليًا، إذ يُلزم القانون القاضي بالتخفيف لكل من لم يبلغ 18 عامًا.

وتضيف وهمان أنه في القضايا التي يتعدد فيها المتهمون، ويكون من بينهم متهم دون 18 عامًا، فقد يُعاقَب بالعقوبة ذاتها المقررة للبالغين وفق ظروف الجريمة، مع انتداب خبير نفسي متخصص من دور رعاية الأطفال لتقييم حالته، في إطار الموازنة بين العدالة الجنائية وحماية الحدث.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان