من يحكم غزة ؟!

من يحكم غزة ؟!سعيد صلاح

الرأى14-12-2025 | 16:35

في أتون التطورات المتسارعة، التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الملف الفلسطيني، الذي يشهد منعطفاً تاريخياً هو الأخطر منذ عقود، تبرز مصر كدولة محورية لا غني عنها، ومركز ثقل إقليمي لا يمكن تجاوزه، إن إدارة القاهرة للأزمة الحالية، من غزة إلي المسارات الدبلوماسية الدولية مروراً بالحفاظ علي حدودها الجنوبية والشرقية والغربية، ليست مجرد رد فعل انفعالي، بل هي سياسة رشيدة، تتسم بالثبات والحكمة، وتستند إلي فهم عميق لتعقيدات المشهد، وتجربة تاريخية طويلة في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، وحفاظ دقيق وثابت علي الأمن القومي المصري في المقام الأول والأخير.
والحديث مؤخرًاعن فتح إسرائيل لمعبر رفح الحدودي من ناحيتها ورفض مصر استقبال الفلسطينيين، فإنه مردود عليه بأن هذا الرفض لم يكن مناورة سياسية عابرة أو رفضًا عشوائيًا، بل كان قرارًا استراتيجيًا في صلب العقيدة الوطنية المصرية، يستهدف إحباط مخططات أبعد مدي، وإن قرار القاهرة الرافض لفتح المعبر إلا بإدارة فلسطينية، وبعيدًا عن أي سيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، ينبع من إدراك عميق لخطـــورة ســــيناريو التهجير الذي طالمــــا روج له تيار يميني متطرف في إسرائيل.
الحقيقة المصرية الثابتة، والتي أعلنتها مصـــر مرارًا وتكرارًا، علي لسان قيادتها، أن سيناء خط أحمر،وأي محاولة لدفع الفلسطينيين خارج أرضهم إلي سيناء هي تصفية للقضية الفلسطينية علي حساب الأمن القومي المصري، وتفجير لاستقرار المنطقة بأكملها، إن الموقف المصري هنا ليس دفاعًا عن مصالح خاصة فحسب، بل هو تمسك بالمبادئ الإنسانية وحماية لمستقبل القضية من التصفية، وهو ما يضع مصر في موقف أخلاقي وقانوني لا يمكن المساس به، لقد نجحت مصر في تحويل هذا الرفض إلي ضغط دولي فاعل، جعل المجتمع الدولي بأكمله يتبني الموقف المصري الداعي لعدم المساس بالوضع القائم للمعابر ورفض التهجير.
أما ما تتردد من أحاديث إعلامية، عن مساع أمريكية لقيادة مبادرة تهدف لعقد لقاء بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء دولة الاحتلال «نتنياهو»، فهو أيضا مردود عليه - وإن كان لا يوجد أي حديث مصري رسمي في هذا الشأن -، مردود عليه بأن مصر تحترم علاقاتها الرسمية مع كل الدول، لكن الاتصالات واللقاءات علي مستوي الرئاسة تخضع لتقدير الدولة المصرية وأجهزتها، لما في ذلك من فائدة للأمن القومي للبلاد ومصالحها ومواقفهـــا فيما يخص القضايا المثارة علي الساحة.
وأعتقد أن الهـــدف من هـــذه اللقاءات وما ســـيتم فيها، - لو كانـــت مطروحة فعلا -، هو تثبيت الخطوط الحمراء المصرية بوضوح لا يحتمل التأويل، والمتمثلة في وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات بلا قيود، ورفض التهجير، وهذا الكلام أقوله لكل من يحاولون التصيد والصيد في الماء العكر، وكل من يعشقون ترويج الأكاذيب والشائعات علي وسائل التواصل الاجتماعي، فمصر تستخدم ثقلها وتاريخها وقنواتها لتكون صوت العقل وصمام الأمان الذي يحول دون الانزلاق إلي حرب إقليمية مدمرة، وهو ما يفسر الحركة المكوكية للقيادة المصرية ووزير الخارجية للقاء القوي الكبري وصناع القرار في العالم.
أما الحديث عن إدارة مصر ل غزة وما شابه ذلك من حديث،فقد قطع وزير الخارجية عليه الطريق قطعا، عندما أكد أن مصر لن تدير قطاع غزة، وأن الحكم لن يكون إلا للفلسطينيين وحدهم تحت مظلة الشرعية الوطنية.
هذا التأكيد يمثل ركيزة أساسية في الرؤية المصرية لحل الصراع، وهي أن مصرالتي تحملت عبء القضية الفلسطينية لعقود، ترفض العودة إلي سيناريوهات الوصاية أو تحمل مسؤولية حكم القطاع، ليس تهرباً من المسؤولية التاريخية، بل إيماناً بأن كرامة وتقرير مصير الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال سلطته الوطنية الموحدة.
كما أن إدارة أي طرف خارجي ل غزة هو إغراء لتصفية القضية وإعفاء للاحتلال من مسؤولياته، وهو ما يخدم مصالح الأطراف التي لا تريد حلاً عادلاً، لذلك لابد من توحيد الصف الفلسطيني، والدفع بقوة نحو المصالحة الوطنية وعـــودة الســـلطة الوطنيـــة الفلسطينية لتكون هي القائمة علي إدارة القطاع ضمن رؤية شاملة للحل الدائم، بعيداً عن التجزئة والتقسيم، والتركيز علي أن الإدارة المؤقتة ل غزة يجب أن تكون خطوة نحو الهدف النهائي، وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفقًا للمرجعيات الدولية.
لذلك وانعطافا علي ما سبق فإن حقيقة واحدة ساطعة، تتجلي أمامنا ويجب ألا نغض الطرف عنها، وهي أن مصر تدير الأزمة بذهنية استراتيجية لا تتأثر بالضجيج أو الانفعالات، فلقد علمتنا تجربتنا الطويلة في التعامل مع صراعات المنطقة أن الاستراتيجية الرشيدة هي التي تعتمد علي الصبر، والثبات علي المبدأ، وإدراك متي يجب أن ترفع الصوت بقوة (كما حدث في ملف التهجير)، ومتي يجب أن تعمل بصمت خلف الكواليس لإنجاز المهام الصعبة (كما في ملف الوساطة والتهدئة)، مصر اليوم، بقيادتها الحكيمة، تبرهن أنها ليست مجرد دولة عابرة في الجغرافيا السياسية، بل هي عمود الخيمة العربية، ومهندس التوازن الإقليمي، الذي يحمي ويدافع ويخطط للمستقبل بعين ثاقبة، لا تحيد عن بوصلة المصلحة الوطنية والأمن القومي.
وتبقي مصر بسياستها الرشيدة وإدارتها الحكيمة لمجريات الأحداث في المنطقة، وحفاظها الدقيق والكامل علي أمنها القومي علي كل المسارات وفي كل الدوائر، صانعة قرارومحرك أحداث، وليست مجرد متلقٍ لها، وهذه هي النكهة المصرية الوطنية الصميمة، التي تستمد قوتها من التاريخ، وتتطلع إلي مستقبل آمن ومستقر لأبنائها وللمنطقة بأسرها.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان