«جمال».. واحد من آلاف لا نعرف أسماءهم.. يمرون قربنا كل يوم يحملون أعباء كبيرة ويواجهون مخاطر لا نراها.. ورغم ذلك يصنعون جمالا لا نشعر به إلا إذا افتقدناه.
كان الليل قد بدأ يسدل ستائره، عندما جلس جمال متعبا يستند إلى حائط أحد الأسوار الذى اعتاد سكان الحى إلقاء قمامتهم إلى جواره حيث يوجد صندوق ضخم يضعون فيه مخلفاتهم، ولأنه كان يضيق بما ألقى فيه، كان يلفظ الكثير منها حوله وإلى جوار السور حتى تحول المكان إلى ما يشبه صندوق القمامة الكبير.
نظر جمال إلى حصانه المتعب، فوجده يلوك بعضا من الطعام بين أسنانه، ويحرك ذيله يمينا ويسارا يضرب به جسده ليطرد الحشرات التى وقفت على ظهره، فقام إليه ووضع أمامه دلوا من الماء ليشرب، قبل أن يعود إلى جلسته الأولى.
علا عبد الرشيد - محمد الدرس
رغم الرائحة الكريهة التى تفوح من المكان، أخرج جمال بعض ساندوتشات الكبدة التى ابتاعها فى طريق عودته، دون غضاضة أو ضيق من المكان ورائحته، وراح يدفع بها قضمة تلو أخرى فى جوفه تارة، وإلى كلبين جلسا إلى جواره يتطلعان إليه دون أن يجرؤ أحدهما على أكل إلا ما كان يلقيه لهما تارة أخرى.
انتهى جمال من طعامه، وطوى الورقة التى احتوت طعامه بغير اهتمام، وألقى بها بعيدا قبل أن يسحب جوالا ضخما من عربته «الكارو» المربوط بها حصانه، ويفرغ محتوياته على الأرض ويبدأ فى فرزها.. هنا زجاجات الزيت والمياه.. وهنا أوراق الكارتون والعلب الورقية القديمة.. فى جانب ثالث علب المياه الغازية المعدنية.. كان جمال يعمل فى جد وما أن انتهى ووضع كل كومة فى جوال
مخصص لها، قام إلى القمامة المتناثرة وراح يعبث بها بحثا عن المزيد الذى يمكنه الاستفادة منه.
استمر جمال فى بحثه نحو ساعة قبل أن يقرر الخلود للنوم، فى كشكه الصغير الذى بناه من الصفيح وأعواد الخشب على نفس السور.
رحلة يومية
كان جمال يجوب الطرقات، كل يوم يجمع القمامة من المنازل مقابل مبالغ شهرية زهيدة، ويعود بها فى المساء حيث يعمل على فرزها، كان عمله يبدو بسيطًا فى أعين الناس، لكنه فى الحقيقة كان يعمل كـ «خبير»، فهو بنظرة يمكنه تمييز الزجاجة البلاستيكية التى يمكن إعادة تدويرها والاستفادة منها، والتى لا يمكن أن يكون مكانها إلا فى صندوق القمامة، كما يمكنه تقييم القطعة المعدنية التى يمكنه شراؤها بجنيه واحد وبيعها بـ مئة جنيه.
جمال ابن السادسة والعشرين، الذى يعتبر نفسه «معلما صغيرا»، لم يكن الطريق أمامه مفروشًا بالورود، فقد بدأ عمله قبل نحو 12 عاما عندما كان يافعا، ونزل من قريته فى الصعيد إلى القاهرة للبحث عن عمل، وساعده وجود عمه الذى يعمل حارسا بأحد مستودعات مواد البناء، فى العمل مع أحد جامعى القمامة مقابل يومية حينها لا تتجاوز 20 جنيها، بينما تصل اليومية الآن إلى 300 جنيه.
جمال تعلم الكثير من أسرار الصنعة التى اكتشف فيما بعد أنها مهنة جمع الكنوز، رغم ما يحيطها من آلام.. فكثيرًا ما كان يجرح يده من زجاج مكسور دُفن تحت كومة من الأوراق، أو نصل حاد لسكين مكسور تخلصت منه ربة منزل فى كيس قمامتها، أو يتعرض للاختناق من الروائح النفاذة لمخلفات تُركت أيامًا تحت الشمس أو فى أكياس مغلقة، ولكن الأكثر إيلاما وقسوة، كان الشعور بالرفض أو النظرة الدونية من بعض المتعاملين معه الذين يشيحون بوجوههم من مظهره أو من رائحته.
رحلة مستمرة
ورغم المتاعب، لم يفكر جمال يومًا فى التوقف، أو التخلى عن مهنته، ومع الوقت كبر عمله، وبدلا من أن يجمع قمامته فى جوال على ظهره، امتلك عربة متهالكة كان يدفعها أمامه، ثم تطور الأمر فأصبح لديه عربة كارو وحصان يجرها، بل ويدير عددا من الصبية الصغار الذين يعملون تحت إمرته، يجمعون كل ما يرون له ثمنا من القمامة المتناثرة على الطرقات، وفى الصناديق المخصصة، قبل أن يأتون بها إلى معلمهم.
ويأمل جمال خلال وقت قريب، أن يستبدل عربته الكارو وحصانه، بعربة نصف نقل، وأن يكون له تأمين يحميه عندما يكبر، فهو يؤمن أن لكل شيء قيمة، حتى الأشياء التى يعتبرها الناس بلا فائدة، كان إيمانه هذا أقوى من الجروح، وأقوى من شعور الدونية.
أسرار المهنة
فى طرف آخر من الأرض، وتحديدا فى إحدى محافظات الوجه البحري، وقف «عبده. أ.أ» الرجل الأربعيني، والذى رفض ذكر اسمه، بين مخزنه لل خردة (المعادن القديمة)، يراقب بعض الصبية وهم يقومون بترتيب محتويات المخزن، ويوجه بين الحين والآخر بنقل بعض القطع من جانب لآخر.
عبده أكد عليَّ مرارا، أن لا أصرح باسمه قبل أن يبدأ حديثه، حيث كان يرى أن التصريح باسمه سيتسبب له فى مشكلات مع أقرانه، لأنهم يعتبرون أن المعلومات التى سيدلى بها هى من صميم أسرار عملهم.
مصدر دخل
وبدأ حديثه عن تلك الأسرار بالقول: «كل مخلفات المنزل يمكن أن تصبح مصدر دخل لربة المنزل، إذا أحسنت التخلص منها، لأن هناك (سريحة) جمع (سريح) وهم بائعو الروبابيكيا يدفعون فى قطع ثمينة جنيهات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحد بينما يمكن بيعها بـ 100 أو أكثر مستغلين عدم معرفة البائع».
وأضاف: «أى قطعة معدنية مهما كانت عديمة الفائدة من وجهة نظر ربة المنزل لها ثمنها، ولكى يمكنها حساب هذا الثمن، عليها الاحتفاظ بقطعة مغناطيس صغيرة، لتمررها على القطعة المعدنية التى تريد التخلص منها سواء كانت قطعة ماسورة أو حنفية قديمة أو مقبض باب، أو غطاء إناء، وغيرها، فإذا اجتذبت القطعة المعدنية المغناطيس، فهذا يعنى أنها حديد ويباع الكيلو منه بـ 15 جنيها بحسب وزن القطع الموجودة لدى ست البيت».
اكتشاف الكنوز
وواصل عبده: «أما فى حال أن القطعة المعدنية لم تلتصق بالمغناطيس.. فعلى ربة المنزل أو من يبيعها حكها بأى جسم خشن كقطعة بلاط، أو مفك، أو حتى سكين، وهنا سيبرز لون من ثلاثة أبيض، أو أصفر أو أحمر، فإذا كان الأول هذا يعنى أن تلك القطعة ألومنيوم، ويتراوح سعر الكيلو منها بين 50 و100 جنيه، وإذا كان أصفر فهى من النحاس ويباع الكيلو منها بـ 200 جنيه، أما إذا كان أحمر فيباع الكيلو منها بـ 300 جنيه، وتلك الأسعار فى حالة البيع لـ «السريح»، لكن لو بيعت تلك المخلفات للمخزن ستباع بأكثر من ذلك وهى النسبة التى يحصل عليها «السريح».
وبحسب «عبده»، فإن أثمن أنواع ال خردة التى تخرج من المنازل، خردة «السباكة»، مثل حنفيات المياه، والخلاطات، والمحابس، ومقابض الأبواب القديمة لأنها تكون من النحاس، أما فى البلاستيك فزجاجات الزيت، والمياه المعدنية والمشروبات الغازية هى الأغلى، وتباع بنفس سعر الحديد الكيلو بـ 15 جنيها وترتفع معه كلما ارتفع، موضحا أن الكيلو من علب المياه الغازية المعدنية «الكانز» تباع بـ 60 جنيها، أما الكاوتش مثل إطارات الدراجات والسيارات، فيباع الكيلو بجنيهين اثنين.
خطأ ربات البيوت
ويكشف «عبده»، عن أن العديد من ربات البيوت عندما تقرر التخلص من غسالتها اليدوية القديمة، تقوم ببيعها كوحدة واحدة، مقبل سعر قد لا يتجاوز 100 جنيه، وهو أمر يجعلها تخسر الكثير من المال، وفى نفس الوقت يحقق ربحا وفيرا لـ «السريح»، مفسرا الأمر بأن برميل الغسالة إما أن يكون من الصاج وفى تلك الحالة سيكون ثمنه 500 جنيه، وإما أن يكون من «الإستانلس» وفى تلك الحالة يصل سعره إلى 700 جنيه، بخلاف الموتور الذى يكون معظمه من النحاس الأحمر وسعر الكيلو منه 350 جنيها.
ويضيف: «ينطبق الأمر على سخان الكهرباء، أما السخان الغاز فيتضمن وزن 3.5 كجم من النحاس الأصفر سعرها يصل إلى 700 جنيه، والباقى يباع على أنه حديد الكيلو بـ 15 جنيها».
غش الميزان
وعن الأجهزة الكهربائية، يوضح «عبده» أن أى جهاز كمبيوتر، أو جهاز كهربائى بين مكوناته «بوردة» سعرها يبدأ من 35 جنيها للكيلو، وهناك بوردة صغيرة الكيلو منها يباع بـ 1200 جنيه للكيلو، بينما بوردة أى محمول بخلاف الأنواع الصينى تباع بـ1500 جنيه.
وتحدث «عبده» عن الغش فى ميزان الخردة، والذى يلجأ إليه بعض التجار ممن فقدوا أمانتهم، وأوضح أن الميزان الذى يتم وزن ال خردة هو ميزان «طبلية» له كفة واحدة، وشاشة رقمية يظهر عليها الوزن، لكن البعض يلجأ لتغيير وضع الكفة دون ملاحظة من يبيع له، فيظهر الوزن أقل كثيرا من الحقيقة، ومن ثم يقدر قيمة ال خردة المباعة بأقل مما تستحق.
تدوير المخلفات الصلبة
ويشير تقرير حديث لمركز معلومات مجلس الوزراء، إلى أن إعادة تدوير المخلفات الصلبة توفر عدة مزايا، أبرزها تقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية من خلال تحويل المخلفات الصلبة إلى طاقة، مما يعزز الأمن الطاقى ويضمن استدامة مصادر الطاقة، وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز الاقتصاد المحلي، إذ تسهم مشروعات إعادة التدوير فى إيجاد وظائف جديدة فى مجالات جمع وفرز المخلفات.
مقومات نجاح مصر
ويؤكد التقرير أن نجاح مصر فى هذا المجال يعتمد على عدة عوامل رئيسية، أبرزها، المخلفات البلدية، التى تمثل المصدر الأكبر، حيث بلغ حجم المخلفات البلدية الصلبة نحو 76.6 ألف طن يوميًا عام 2022، مع تدوير 20% فقط منها، إضافة إلى التشريعات الداعمة، ومن بينها القانون رقم 202 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية لعام 2022، التى تدعم الاقتصاد الدائرى وتشجع مشاركة القطاع الخاص.
العامل الثالث الذى يسهم فى نجاح مصر، وجود هيكل تنظيمى متكامل، إذ تم تأسيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات عام 2015 لتنظيم كافة العمليات المتعلقة ب المخلفات بالتعاون مع الجهات المحلية والدولية، فضلا عن العامل الرابع وهو استثمارات البنية التحتية، التى بلغت نحو 9 مليارات جنيه لإنشاء محطات وسيطة ومصانع تدوير ومدافن صحية، ومشروعات تحويل المخلفات إلى طاقة: مثل مشروع أبو رواش فى الجيزة بتكلفة 120 مليون دولار لإنتاج 30 ميجاوات/ساعة من الكهرباء، مع تكاليف تشغيل سنوية تبلغ 5.5 مليون دولار.