تحتاج الأمم والشعوب دوماً الى العديد من الصناعات التى تحقق الإستقرار والتوازن الإقتصادى بين معظم الدول على إختلاف درجات التطور الصناعى والتكنولوجى وكذا التقدم الحضارى من خلال خلق فرص عمل لائقة لأبناء تلك الدول لرفع مستوى المعيشة وزيادة الدخل القومى، و تأتى أهمية الصناعات بأشكالها المتعددة ما بين صناعات صغيرة و ثقيلة واستراتيجية لأهميتها الإقتصادية فى التنمية المستدامة للأمم والشعوب ، ولكن هناك ثلاث صناعات من نوع آخر لا تقل فى أهميتها عن الصناعات الأخرى وتحتاج إليها كل الأمم وكافة الشعوب حيث أنها من الصناعات التى لا غنى عنها فى البناء والإستقرار المجتمعى وهى :
أولاً : صناعة القدوة
نعيش فى هذه المرحلة التى تتسارع وتتداخل فيها الأحداث بشكل غير مسبوق من حيث سرعة وسهولة وبساطة التواصل بين الأفراد والمجتمعات رغم إختلاف ثقافاتهم ولغاتهم ، فى ظل تقدم تكنولوجى متسارع فى كافة نواحى الحياة فى مصر خلال هذه الفترة الهامة من تاريخنا،هذه التطورات أسهمت بشكل أو بآخر فى ظهور نماذج لم نعهدها فى مجتمعاتنا تتخلق بأخلاق وعادات وتقاليد ليست كعاداتنا ولا أخلاقنا فأصبحنا نواجه سيلاً من التفاهات فى الأشخاص وما يقدمونه من محتوى سواء كان محتوى مرأياً أو مقروءاً أو مسموع فنياً كان أو رياضياً وساعدتهم وسائل التواصل وسرعة انتشارها فى نشر هذه التفاهات ، فأصبح الكثيرين منهم يخرجون على الناس مُنظّرين، أو مُؤثّرين، بقليل من الجهد وبإستخدام بعض المؤثرات ، و المونتاج الحديث والخداع البصرى، وبالإعلانات المُموّلة والإنتشار من خلال وسائل التواصل المتعددة فاستطاعوا التأثير فى قطاع عريض من أبناء المجتمع ،فأفقدونا الكثير من القيم ، بل و زيفوا الوعى الجمعى فأختلت المعايير وتهدمت الكثير من الثوابت ، فتصدروا المشهد وأصبحوا نجوماً رغم تفاهة محتواهم فكرياً وثقافياً ولُغوياً ، إعتماداً على الترند الذى أصبح من آفات المجتمعات فوجدنا أنفسنا أمام جيل فاقد للطموح يطارد السراب ولا يصنع الإنجاز وضاعت مع هذا قوتنا الناعمة، ومن هذا المنطلق أصبحت صناعة القدوة هى أهم الصناعات و ذلك يجعلنا نعى أهمية وضرورة صناعة وإبراز القدوة و إعادة تعريف القيمة الحقيقية للنجاح أمام الشباب والأطفال ، فالشخص القدوة هو كل إنسان ناجح ذو أخلاق ومؤثر إيجابى فى المجتمع يتم الإقتداء به وبأفعاله وأقواله ، و يُحتذى بسلوكياته ويتم السير على خطاه وأفكاره .
و صناعة القدوة من الأهمية بمكان للحفاظ على ثوابت وقيم وقامات المجتمع ، فنحن نحتاج المواطن القدوة والمثقف القدوة والصانع القدوة والعامل القدوة والمُعلم القدوة والمتعلم القدوة ،والطبيب القدوة ، والسياسى القدوة ، والفنان القدوة ، فهؤلاء القدوات أصحاب الأخلاق الطيبة والأهداف النبيلة والفطرة السوية، المتمسكة بالقيم المجتمعية والوطنية، وصاحبة السلوكيات الإيجابية التى تمتلك الفكر السليم ، والوعى المستدام والحكمة المستنيرة قادرون على إحدا توازن مجتمعى لإعادة قوتنا الناعمة لسابق عهدها.
وبصناعة القدوة الصالحة المستنيرة تبدأ نهضة الأمم ، وتنهار على صخرة القدوة كل التفاهات التى تسللت الى أخلاقياتنا ، فلابد من إحداث التغيير الفكرى لدى الشباب والنشأ من خلال تقديم وإبراز النماذج الناجحة الوطنية المفيدة للمجتمع والتى تعمل على الحفاظ على القيم ، و المطلوب لصناعة القدوة تكاتف كافة الهيئات والمؤسسات فى جميع المجالات العلمية والتعليمية والرياضية والفنية والفكرية والثقافية وذلك لإحداث التغيير فى فكر الشباب وتأهيل العامل البشرى لتحقيق الغايات والأهداف لنمو المجتمع أخلاقياً وإعادة بريق ثقافتنا .
ثانياً : صناعة الوعى
وصناعة الوعى من أهم الصناعات التى يحتاج اليها الوطن خلال هذه المرحلة الهامة فى تاريخنا حيث يمثل الوعى حجر الزاوية و لبنة من أهم لبنات بناء المجتمع على أساس من العلم والتفاهم والرُقى والوطنية والأصالة ، فإذا أعتبرنا أن الجهل أخطر الآفات التى تُصيب المجتمعات لأنه إنعدام المعرفة بكافة أشكالها لذا فإن صناعة الوعى من أعظم الصناعات اللازمة لتحصين المجتمعات ضد الجهل والتطرف والغلو وإنارة الطريق والوقوف على حقيقة المشكلات والمعوقات التى تواجه الوطن وتبصير أبنائه بحقيقة الأمور و توفير سُبل حلول تلك المشكلات وما يترتب عليها من أثار ، وعلى ذلك فنحن فى حاجة ماسّة لصناعة الوعى لإيقاظ عقول الأمة إذا غابت عن ما يدور حولنا من تحديات ومخاطر ، ولتنبيه شبابنا إذا غفُل عن حق الوطن ، فالوعى هو الأفكار المستنيرة ووجهات النظر المعتدلة التى تتعلّق بأمور الحياة ومفاهيمها سياسياً وإجتماعياً واقتصادياً و وطنياً وإقليمياً ودولياً ، وكل ما يحيط بهذه المنظومات من عوامل تؤثر فى صناعة الوعى ، فلا يُبنى أى مجتمع من المجتمعات دون أن يتسلح أفراده بالوعى الذى يُمكنهم من القدرة على تخطى الأزمات والعقبات وتجاوز التحديات والقدرة أيضاً على حماية أنفسهم من تأثير هذه العقبات وتلك التحديات .
والوعى المنشود يتطلب من كل أفراد المجتمع بذل الكثير من الجهد لفهم الواقع الذى يحياه الوطن وبخاصة التحديات والأزمات الإقليمية ، إن حاجتنا الى صناعة وتعزيز الوعى بين أفراد المجتمع فى ظل ما نشهده من تسارع الأحداث الدولية والإقليمية ، تدعونا جميعاً الى المشاركة فى تبنى أسس مجتمعية تستند إلى التفاهم والتعاون والإيثار فى إطار تشاركى يقوده الوعى بحماية المصالح الوطنية وتغليبها على كافة المصالح ،حيث يلعب الوعى المجتمعى دوراً رئيسياً فى تشكيل الهُوية المجتمعية ويُمكننا من بناء مجتمع أكثر أمناً وبشكل واضح و مستدام .
والوعى الذى ننشد صناعته يُعتبر من أهم أدوات بناء وازدهار المجتمعات ، كما يُعتبر من الأهمية بمكان فى قوة وتماسك الجبهة الداخلية، وبالوعى تُدرء الشبهات وتُواجه ويُقضى على الشائعات ويتم دعم الأمن والاستقرار فى ربوع الوطن .
إن حاجتنا الى صناعة الوعى ضرورة حتمية لابد من العمل عليها تنسيقاً بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى بمزيد من الدورات والندوات المتخصصة من صُنَاع الوعى الذين يتميزون بوطنيتهم وتفانيهم وقدرتهم كمصابيح للمعرفة يُنيرون بتلك المعرفة عقول أبناء المجتمع وبناء إنسان قادر على صناعة و اتخاذ القرار الصائب الحكيم فى الزمان المناسب وعلى الوجه المناسب ،وصُناع الوعى يُسهمون فى تأهيل أجيال قادرة على التطور و النهوض بمجتمعاتهم و أوطانهم ومواجهة التحديات .
ثالثاً : صناعة الإنتماء
وبصناعة القدوة على الوجه المأمول وكذا صناعة الوعى الداعى لأمن وسلامة المجتمع وأفراده ، فلابد من تحقق صناعة الإنتماء ،ولكى يتحقق الإنتماء مع ما تمرُّ به مجتمعاتنا من إعتلال السلوك واختلاف المعايير اجتماعياً و وطنياً وقيمياً ولقد إتضح ذلك جلياً من خلال تلك الأخلاقيات والسلوكيات والظواهر السلبية والغريبة المستجدة على مجتمعاتنا، والتى جعلت شبابنا الجاد الذى يُريد أن يحقق ذاته وأن يعمل على تنمية وطنه ولكن هذا الإرتدادات فى أخلاقيات المجتمع، وسُبل التقييم جعلتهم يعانون غُربة نفسية وخلل فى منظومة القيم يُضعف شعورهم بالانتماء خاصة عندما يتصدر المشهد غير المؤهلين لصدارته ، وهذا ما يجعلنا نحتاج لصناعة الإنتماء وتقوية عوامل تعزيزه بين كافة فئات المجتمع لأن صناعة الإنتماء فى هذه المرحلة لا تقل أهمية عن صناعة القدوة ولا صناعة الوعى ، فثلاثتهم يمثلون طوق نجاة للمجتمع والعودة الى الريادة عندما يتم صناعتهم صناعة وطنية بكفاءة وتفان ، هذا الإنتماء الذى يعمل مع الدولة على ضرب الفساد ورموزه ، وأصبح من الواجب أنه كما تم إنشاء استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان واستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد أن يتم وضع استراتيجية وطنية تُعزز من إنتماء الشباب للوطن وخاصة فى خضم هذه الازمات والمتغيرات والتحديات والتأثيرات الخارجية التى تسعى بكل طاقاتها لإفساد طاقات شبابنا للإضرار بالوطن وقوته البشرية ، وهذه الإستراتيجية يتم بناؤها على أدوار هامة للأسرة ومؤسسات المجتمع المدنى ووسائل الإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية ونشر عوامل الإنتماء للوطن ونبذ الأفكار الغريبة على ثقافتنا وعاداتنا وقيمنا الدينية والأخلاقية والثقافية ، مع إيماننا الكامل بأن معظم ما تراهُ عيوننا وتسمعه أُذاننا من الفوضى الأخلاقية ليس برئ من خُطط الإستهداف الممنهج و المسموم وليس ببعيد عن عقولنا أن المقصود بذلك استهداف شبابنا لإضعاف عوامل الإنتماء لديهم لذا واجب علينا جميعاً أن نعمل على تبنى هذه الصناعات الثلاث التى بتحقيقها نكون على طريق البناء السليم للإنسان المصرى الذى به تتحقق وتُبنى الأمال فى ظل دولة تسير بخطى ثابتة نحو بناء جمهورية جديدة أساسها العلم والحلم والعمل الجاد رغم كل التحديات الدولية والإقليمية التى يمر العالم .
حفظ الله مصر