تحل ذكرى ميلاد الفنان الراحل طلعت زكريا، أحد أبرز نجوم الكوميديا في مصر، الذي ارتبط اسمه بالبساطة وخفة الظل والحضور الشعبي القريب من الناس. رحلة طويلة بدأها من خشبة المسرح، ومر خلالها بمحطات صعبة، صحية وفنية، قبل أن يصل إلى البطولة المطلقة ويترك بصمة خاصة في السينما والدراما، جعلته حاضرًا في ذاكرة جمهوره حتى بعد رحيله.
النشأة والدراسة
ولد طلعت زكريا محمد يوسف في مدينة الإسكندرية، ونشأ في حي محرم بك، حيث تشكل وعيه الأول بالحياة الشعبية التي انعكست لاحقًا على أدائه الفني. التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج، وتخرج ضمن دفعة عام 1984، ليبدأ طريقًا شاقًا في عالم الفن، معتمدًا على الموهبة والاجتهاد وليس على الفرص السهلة.
بدايات مسرحية مبكرة
أثناء دراسته بالمعهد، شارك عام 1982 في المسرحية الاستعراضية «الشخص»، وهي تجربة فنية جريئة ذات طابع شعبي، أعدها الشاعر أمل دنقل عن نص لبناني عُرض سابقًا، إلا أن النسخة المصرية مُنعت من العرض لأسباب سياسية، لتكون هذه التجربة واحدة من أولى الصدامات الفنية في مشواره.
بعد تخرجه، انضم إلى فرقة الإسكندرية المسرحية، وشارك في أكثر من ثلاثين عرضًا مسرحيًا، ما منحه خبرة كبيرة على خشبة المسرح، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 1986 بحثًا عن فرص أوسع.
الانطلاق من القاهرة
كانت أولى مشاركاته المسرحية في القاهرة من خلال مسرحية «فارس وبني خيبان» عام 1987 أمام سمير غانم ودلال عبد العزيز، ومن إخراج حسن عبد السلام. وبعدها توالت مشاركاته المسرحية خلال التسعينيات، ليصبح واحدًا من الوجوه الكوميدية المعروفة على المسرح، من خلال أعمال مثل البعبع، الدبابير، بهلول في إسطنبول، وأنا ومراتي ومونيكا.
الدراما والتلفزيون
لم يقتصر حضور طلعت زكريا على المسرح فقط، بل شارك في عدد كبير من المسلسلات التلفزيونية التي رسخت حضوره لدى الجمهور، من بينها هي وغيرها، النوة، الوعد الحق، ألف ليلة وليلة، الضوء الشارد، حياة الجوهري، أبو العلا 90، حلم الجنوبي، السيرة العاشورية، أميرة في عابدين، مبروك جالك قلق، وعزمي وإشجان، كما شارك في مسلسل العراف أمام عادل إمام.
السينما والانتشار الجماهيري
شهدت بداية الألفينات تحولًا مهمًا في مسيرته، حيث اتجه بشكل أكبر إلى الأدوار الكوميدية في السينما، وشارك في عدد كبير من الأفلام التي حققت انتشارًا جماهيريًا، منها جاءنا البيان التالي، شجيع السيما، التجربة الدنماركية، حرامية في تايلاند، كلم ماما، حريم كريم، عمارة يعقوبيان، غبي منه فيه، خالتي فرنسا، أبو علي، السيد أبو العربي وصل، وسيد العاطفي.
محطة المرض والعودة
في سبتمبر 2007، تعرض طلعت زكريا لوعكة صحية شديدة بعد إصابته بالتهاب في أحد شرايين المخ، دخل على إثرها في غيبوبة، قبل أن يتعافى ويعود إلى الساحة الفنية بقوة. وفي عام 2008، حقق حلمه بتقديم أول بطولة مطلقة له في فيلم «طباخ الريس»، ليؤكد قدرته على قيادة عمل سينمائي كامل.
البطولة المطلقة وتحدياتها
بعد «طباخ الريس»، قدم بطولات سينمائية أخرى، منها «الفيل في المنديل»، إلا أن بعضها لم يحقق النجاح المتوقع، لكنه ظل حاضرًا في المشهد الفني من خلال المشاركة المستمرة في السينما و الدراما والمسرح، وكان آخر أعماله فيلم «أخناتون في مراكش» عام 2019.
الحياة الشخصية
تزوج طلعت زكريا مرتين، الأولى من السيدة صباح، وأنجب منها عمر وإيمي، والثانية من شيرين المنزلاوي، والدة الفنانة هنا الزاهد، التي تبناها فنيًا وساندها في بداياتها، وكان له دور واضح في تشجيعها على دخول الوسط الفني.
الرحيل
توفي الفنان طلعت زكريا في أكتوبر 2019 عن عمر ناهز 59 عامًا، بعد تدهور حالته الصحية ونقله إلى المستشفى قبل وفاته بيوم واحد، ليرحل تاركًا خلفه مسيرة فنية طويلة، وذاكرة مليئة بالضحك الصادق.
طلعت زكريا.. ضحكة لا تغيب
في ذكرى ميلاده، يبقى طلعت زكريا نموذجًا لفنان كافح طويلًا قبل أن يصل، واعتمد على الموهبة والعمل الشاق، ليصنع مكانته الخاصة في قلوب الجمهور، ويظل اسمه حاضرًا كأحد أبناء المسرح والكوميديا الشعبية في مصر.