هوس تسوق النساء عبر الإنترنت

هوس تسوق النساء عبر الإنترنتتسوق النساء عبر الإنترنت

حوارات وتحقيقات21-12-2025 | 15:52

كانت نادية تحملق في شاشة هاتفها بشغف، قبل أن يقطع شغفها أحد مندوبي التوصيل باتصال يبلغها فيه أنه في الطريق إليها ومعه "أوردر" جديد.. بعد أقل من نصف ساعة كانت نادية تفحص حقيبتها الجديدة التي اشترتها عبر الإنترنت.

هذا المشهد يتكرر كل عدة أيام، وفي كل مرة تختلف السلعة التي تشتريها نادية.. ما بين ملابس.. وأدوات تجميل.. وحقائب.. وأحذية.. وأدوات مطبخ.. إضافة إلى مستلزمات المنزل وغيرها.

وتشير الدراسات إلى أن الغالبية العظمى من النساء قد يقعن في دائرة " الشراء القهري"، حيث يتحول التسوق من نشاط ترفيهي إلى سلوك اندفاعي يفقد السيطرة عليه، مدفوعًا بإغراءات التسوق الإلكتروني ، واستراتيجيات التسويق الذكية، وضغط المنافسة في سباق الخصومات. في ظل هذه الظروف، يصبح التسوق الإلكتروني ليس مجرد تلبية حاجة، وسلوكًا معقدًا تتشابك فيه الخوارزميات مع علم النفس، وتتداخل فيه الرغبة مع الحاجة، مما يؤدي إلى «هوس» استهلاك لا واعي.

يعرّف د. هشام ماجد، استشارى الصحة النفسية، هوس الشراء بأنه اضطراب نفسى مرتبط بالمزاج والقلق، يظهر غالبًا فى نهاية المراهقة وبداية العشرينيات، يتسم هذا الاضطراب بالرغبة المستمرة وغير المبررة فى الشراء، بغض النظر عن العواقب المالية أو الاجتماعية.

ويشير إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة به بنسب تفوق الرجال بشكل كبير، إذ تمنح عملية الشراء لدى بعضهن شعورًا بالنشوة والإثارة، يتبعها شعور ثقيل بالذنب والندم وانخفاض احترام الذات. ومع تنامى ثقافة المولات والعروض والإعلانات التى تستهدف المرأة مباشرة، أصبح التسوق لدى البعض وسيلة سريعة لتهدئة المشاعر المؤلمة.

إدمان التسوق

ويرى د. هشام أن لـ «هوس الشراء»، أسباب متعددة، أبرزها العامل الوراثى لدى العائلات التى لديها تاريخ مع الوسواس القهرى واضطرابات القلق، والهروب من المشاعر السلبية عبر الذهاب للأسواق دون هدف واضح، فضلا عن تدنّى احترام الذات بسبب التعرض للقهر أو الإهانة، مما يجعل المرأة تلجأ للشراء باعتباره تعزيزًا نفسيًا، إضافة إلى السعى للكمال وشراء ما يحقق الصورة الذاتية المثالية.

ويضيف أن من بين أسباب «هوس الشراء» أيضًا، إدمان الشعور بالنشوة المؤقتة الناتجة عن الشراء ، والحرمان العاطفى فى الطفولة والرغبة فى ملء الفراغ الداخلي، والتأثر بصديقات أو قريبات يمارسن الشراء المفرط.

ويشبه استشارى الصحة النفسية، هذا الاضطراب بأنماط الإدمان الأخرى، حيث تصبح الرغبة فى الشراء حاجة لا يمكن مقاومتها.

محاربة الوحدة

وتشرح د. سارة ممدوح، استشارية الطب النفسى وتعديل السلوك، أن الشراء القهرى ليس مجرد حب للتسوق، بل هو اضطراب اندفاعى يفقد صاحبه القدرة على التحكم بالرغبة الشرائية، رغم عدم الحاجة أو محدودية الميزانية.

وترى أن بعض النساء يمارسن التسوّق سرا، ويشعرن بالخجل من إدمانه، ما يؤدى لتفاقم الديون وتوتر علاقاتهن الأسرية. وتشير إلى أن التسوق الإلكترونى ضاعف المشكلة، وجعل الوصول للشراء أكثر سهولة وسرعة.

خطوات العلاج

وتقدم د. سارة 7 خطوات للسيطرة على «هوس الشراء»، أو « الشراء العاطفى»:
1 - تحديد مواعيد ثابتة للتسوق بصحبة أشخاص متوازنين.
2 - الابتعاد عن الإعلانات التجارية التى تثير الرغبة فى الشراء.
3 - ضبط بطاقات الائتمان بحدود منخفضة للإنفاق.
4 - وضع قائمة واضحة للمشتريات والالتزام بها.
5 - جرد المقتنيات بانتظام لتجنب تكرار الشراء.
6 - الانخراط فى نشاطات اجتماعية وثقافية تقلل من التوتر والملل.
7 - تجنب التسوق أثناء الملل أو التقلبات المزاجية.

علامات الإدمان

وتوضح د. أسماء نبيل، استشارية الطب النفسي، أبرز العلامات التى تشير لإدمان التسوق، ومنها، صعوبة مقاومة شراء الأشياء غير الضرورية، استخدام الشراء للهروب من الملل والمشاعر السلبية، إضافة إلى، إخفاء المشتريات عن الآخرين والشعور بالذنب، و شراء أشياء لتعويض الفراغ العاطفى أو إقناع الآخرين.

وتوضح أن من أبرز العلامات التى تشير لإدمان التسوق أيضا، مواجهة أزمات مالية مع الاستمرار فى الشراء، الراحة المؤقتة بعد الشراء يعقبها ندم بسبب الفوضى وتكديس الأغراض، فضلا عن الانشغال الدائم بالعروض والتخفيضات وعدم القدرة على مقاومتها.

دور المفاتيح النفسية

ويشرح د. عمرو محسن، أستاذ علم النفس الاجتماعي، كيف يستند التسويق الرقمى الحديث على مفاتيح نفسية دقيقة، قائلا: «يُستخدم فى كثير من حملات التسويق ما يعرف بأسلوب (الخوف من فوات الشىء)، وهو أسلوب يعتمد على شعور المشاهد بأنه متأخر عن الآخرين إن لم يشاركهم نفس المنتج أو الخدمة، وهذا الأسلوب آلية تؤثر خصوصا فى المراهقين والشباب، الذين تتشكل هويتهم من خلال الانتماء الجماعى».

ويشير إلى أن الإعلانات العاطفية المتكررة تخلق حالة من التراكم اللاواعى قائلا: «التعرض المتكرر لصورة منتج، حتى لو لم تكن ملفتة فى البداية، يؤدى إلى تزايد الإعجاب والفضول، ومنه إلى الشراء، حتى دون تقييم الحاجة الفعلية. نحن لا نشترى المنتج.. بل نشبع انفعالا آنيا بامتلاكه».

هدف التسويق

على الجانب آخر، يوضح د. طارق عبد العزيز، خبير التسويق الرقمى، أن اللوم لا يجب أن يقع دائما على الشركات أو المؤثرين، مستطردًا: «التسويق له هدف أساسى هو جذب الانتباه، وهذا ليس جريمة، لكن الخطورة تأتى عندما يُستخدم التأثير البصرى أو العاطفى بطريقة تخفى الحقائق أو تخلق أوهاما، من واجب الشركات تقديم محتوى شفاف، ومن واجب المستهلك أن يكون ناقدًا لا متلقيا سلبيا».

ويضيف: «مشكلة كثير من المؤثرين أنهم لا يميزون بين الترويج الشخصى والمحتوى المدفوع، وهنا تختلط التجربة الصادقة بالحملة الموجهة، ويقع المتابع فى فخ التزييف».
المرأة هدف

«ولا تتوقف التأثيرات الرقمية عند حدود شراء المنتجات، بل تمتد إلى تشكيل الوعى نفسه، خصوصا لدى النساء»، كما توضح د. هالة رمضان، مديرة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، قبل أن تشيرإلى أن المرأة — بحكم دورها المركزى فى الأسرة — أصبحت إحدى أكثر الفئات استهدافا بخطابات التسويق والمحتوى البصرى الذى يعيد صياغة مفهوم «الاحتياج» ويدفع نحو سلوكيات غير واعية.

وتؤكد د. هالة، أن المركز رصد عددا من الظواهر المرتبطة بهذا التأثير، أبرزها الانجراف وراء ثقافة المظهر والموضة، والاندفاع نحو عمليات التجميل دون ضرورة حقيقية، نتيجة الضغط المستمر من المحتوى المرئى والترندات الرقمية، وارتفاع معدلات الاستهلاك المبالغ فيه، إضافة إلى تآكل الهوية اللغوية والثقافية وسط موجة تقليد غير مدروسة للمحتوى الغربي، و تراجع جودة الحوار بين الشباب.

وترى أن هذه التحولات لا ترتبط بالاستهلاك المادى فقط، بل تمتد لصناعة تصورات اجتماعية جديدة، منها الربط بين الزواج والمظاهر المادية، وسوء استثمار أوقات الفراغ، وهو ما ينعكس فى النهاية على استقرار الأسرة وتأخر سن الزواج، مختتمة بالتأكيد على أن الوعى الرقمى أصبح ضرورة لحماية المجتمع من هذه الموجات القيمية العميقة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان