الجينوم و الذكاء الاصطناعي سلاح المواجهة لـ سرطان الرئة

الجينوم و الذكاء الاصطناعي سلاح المواجهة لـ سرطان الرئةالجينوم

حوارات وتحقيقات21-12-2025 | 16:02

لم يكن يعلم أن السعال الذي يوقظه ليلًا ليس عابرًا، ولا أن ضيق النفس الذي بدأ يسرق منه خطواته الأولى في الصباح هو إنذار مبكر لمرض يتسلل في صمت.. لم يكن مدخنًا ولم يقف يومًا أمام لافتة تحذّر من سرطان الرئة.. ومع ذلك وجد نفسه فجأة في غرفة فحص باردة، ينتظر تشخيصًا سيغيّر حياته إلى الأبد.

قصته ليست استثناءً، بل أصبحت جزءًا من مشهد مقلق يتكرر يومًا بعد يوم في مصر، حيث تتزايد معدلات الإصابة ب سرطان الرئة على عكس الاتجاه العالمي الذي يشهد تراجعًا ملحوظًا.

في بلد تُسجَّل فيه نحو 26 ألف حالة جديدة سنويًا، لم يعد السؤال: كيف نعالج المرض؟ بل أصبح: لماذا نُصاب به من الأساس؟ وبين دخان السجائر والشيشة، والتلوث البيئي، والعوامل الوراثية الخفية، تقف المنظومة الصحية أمام تحدٍ مزدوج: اكتشاف المرض قبل فوات الأوان، وفهم أسبابه العميقة على مستوى الجينات، وليس الأعراض فقط.

مى هارون

هذا التحقيق يفتح واحدًا من أهم ملفات الصحة فى مصر، باحثًا فى أسباب ارتفاع الإصابة بسرطان الرئة، ولماذا يظهر فى كثير من الحالات لدى غير المدخنين، وكيف غيّر الطب الحديث قواعد اللعبة من "العلاج الكيماوى الشامل" إلى "الطب الجزيئى الشخصي". كما يرصد دور الجينوم المصرى فى كشف الطفرات الوراثية الخاصة بالمصريين، ودخول الذكاء الاصطناعى إلى غرف الأشعة والباثولوجي، حيث لم يعد الطبيب وحده من يقرأ الصورة، بل آلة تعلّمت من آلاف الحالات لتساعد فى التشخيص المبكر وإنقاذ الأرواح.

وبين أرقام صادمة، وشهادات خبراء، وقصص مرضى لم يُمهلهم الوقت، نحاول الاقتراب من الحقيقة: هل ما زال سرطان الرئة حكمًا بالإعدام؟ أم أن العلم منحنا أخيرًا فرصة عادلة للنجاة؟
تزايد الإصابات

"أعداد الإصابة بأورام الرئة تشهد تراجعًا عالميًا، على عكس الوضع فى مصر، حيث لا تزال معدلات الإصابة فى تزايد، إلى جانب اكتشاف المرض فى مراحل متأخرة" هذا ما أكدته الدكتورة علا خورشيد، أستاذ علاج الأورام بالمعهد القومى للأورام جامعة القاهرة ، قبل أن تؤكد أن الهدف الأساسى هو منع الإصابة ب سرطان الرئة والتوسع فى برامج الاكتشاف المبكر.

وأوضحت أن الخزعات السائلة أصبحت قادرة على اكتشاف المرض فى مراحل مبكرة جدًا، بل وقبل ظهور الإصابة الفعلية، مشيرة إلى أن التطور الكبير فى العلاجات الحديثة، سواء الجراحية أو العلاج المناعى أو العلاج الموجه، أتاح حصول المريض على أحدث وسائل العلاج دون تحمّل أعباء مادية.

الخلل الجيني

وشهد علاج سرطان الرئة تطورًا كبيرًا، والحديث مازال للدكتورة علا خورشيد، حيث كان العلاج الكيميائى هو الخيار الوحيد فى السابق، لكن بعد اكتشاف أن نحو 60% من مرضى أورام الرئة من غير المدخنين يعانون من خلل جيني، أصبح من الممكن توجيه العلاج ضد هذا الخلل الجيني، ما يرفع نسب الشفاء من 30% إلى 90%.

وأشارت إلى أنه فى البداية كان يتم التعرف على نوعين فقط من الطفرات الجينية، بينما يتم حاليًا التعرف على أكثر من 12 نوعًا، لافتة إلى أن دراسة الجينوم المصرى تُعد خطوة مهمة للتعرف على ما إذا كانت هناك طفرات جينية مختلفة لدى المصريين. وأكدت أن التحاليل الجينية مكلفة للغاية، وتسعى الدولة إلى إتاحتها للمريض المصرى بأقل تكلفة ممكنة.

حجر أساس العلاج

وشددت أستاذ علاج الأورام، على أن الفحص الجزيئى الشامل أصبح حجر الأساس فى علاج سرطان الرئة، مؤكدة أنه لا ينبغى بدء أى خطة علاجية قبل التعرف على الطفرات الجينية الخاصة بالمريض، موضحة أن الاختيار الصحيح للعلاج يبدأ من الفهم الدقيق للورم على المستوى الجيني.

كما أكدت أن الكشف المبكر لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية، مشيرة إلى أن التصوير المقطعى منخفض الجرعة قادر على اكتشاف الأورام فى مراحلها الأولى، بل وقبل ظهور الأعراض بسنوات، ما ينعكس على زيادة فرص الشفاء وارتفاع نسب النجاة.

تحول فى العلاج

وأوضحت د. علا خورشيد، أن العلاج المناعى والموجه لم يعودا رفاهية علاجية، بل يمثلان تحولًا حقيقيًا فى السيطرة على المرض، ويجب أن يكونا متاحين لكل مريض يستحقهما.

كما لفتت إلى أن التقنيات الجراحية الحديثة، مثل الجراحة الروبوتية والعلاج الإشعاعى الدقيق (SBRT)، تُسهم فى تحسين نتائج العلاج، وتقليل الألم والمضاعفات، وتسريع التعافى، مؤكدة أن الرعاية الداعمة وإدارة الألم جزء أساسى من الخطة العلاجية وليست مرحلة تكميلية.

قاعدة بيانات

وأكدت د. علا خورشيد أن الخطوة الأهم للمستقبل تتمثل فى إنشاء السجل القومى ل سرطان الرئة كقاعدة بيانات وطنية شاملة ومُرقمنة بالكامل، تتيح تخطيطًا صحيًا دقيقًا ورصدًا فعليًا لنتائج العلاج على مستوى الدولة، مؤكدة أن مصر تمتلك الكفاءات والإمكانات التى تؤهلها لقيادة هذا التحول، وأن ما تم الاتفاق عليه خلال مؤتمر سرطان الرئة 2025 يمثل خطوة مهمة فى هذا المسار.

ولفتت إلى إجماع العلماء عالميًا على أن المعركة ضد سرطان الرئة انتقلت من مفهوم "العلاج الكيماوى الشامل" إلى "الطب الجزيئى الفردي"، موضحة أن القواعد الجديدة للعلاج تعتمد على تحليل الشفرة الجينية للورم واستهدافها بدقة عالية، وتوافق العلماء المصريون والأجانب على أن مستقبل علاج سرطان الرئة يكمن فى الطب الشخصى القائم على الفهم العميق للبنية الجينية والمناعية لكل ورم.

حلول قابلة للتطبيق

وأضافت أستاذ الأورام، أن الهدف الأساسى يتمثل فى تحويل أحدث إنجازات العلم إلى حلول علاجية قابلة للتطبيق داخل النظم الصحية محدودة الموارد، خاصة فى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مؤكدة فاعلية استخدام الأشعة المقطعية منخفضة الجرعة فى خفض وفيات سرطان الرئة، إلى جانب دور الذكاء الاصطناعى فى تحسين كفاءة الفحص وإمكانات المؤشرات الحيوية.

وذكرت أن سرطان الرئة لا يزال الأكثر فتكًا عالميًا، ويحتل المرتبة الرابعة بين أكثر السرطانات شيوعًا بين الرجال، مع تسجيل نحو 26 ألف حالة إصابة جديدة سنويًا فى مصر، وأكثر من 2.4 مليون حالة جديدة عالميًا خلال عام 2022.

انتشار التدخين

ويرجع د. حسين خالد، رئيس المعهد القومى للأورام ووزير التعليم العالى الأسبق، الارتفاع المستمر فى أعداد المصابين ب سرطان الرئة داخل مصر وفقًا لبيانات السجل القومى للأورام، على عكس الاتجاه العالمى الذى يشهد انخفاضًا، إلى الانتشار الواسع للمدخنين فى المجتمع المصري.

وأوضح أن هناك زيادة ملحوظة فى معدلات تدخين الشيشة بين السيدات، إلى جانب الانتشار المتزايد للسجائر الإلكترونية "الفيب" بين المراهقين وطلاب المدارس، مما يضاعف خطر الإصابة بسرطان الرئة.

قصص نجاح مُلهمة

واستعرض د. حسين خالد قصص نجاح الدولة المصرية فى مكافحة أمراض ارتبطت بسرطانات خطيرة، مشيرًا إلى القضاء على البلهارسيا خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أدى إلى انخفاض كبير فى معدلات الإصابة بسرطان المثانة، فضلًا عن الإنجاز التاريخى بالقضاء على فيروس سي، الذى من المتوقع أن ينعكس خلال السنوات المقبلة على خفض معدلات الإصابة بسرطان الكبد.

ودعا إلى تكرار هذه النجاحات فى ملف سرطان الرئة من خلال إطلاق مبادرة رئاسية قوية للوقاية من المرض، ترتكز على الحد من التدخين ومحاربة مسبباته، مع تطبيق جميع محاور الاستراتيجيات العالمية والوطنية لمكافحة الأورام، بما يشمل الوقاية، والاكتشاف المبكر، والتشخيص الدقيق، والعلاج المتكامل.

وأشار إلى أن علاج سرطان الرئة يعتمد على الجراحة والإشعاع والأدوية، موضحًا أن العلاج الكيماوى يحقق نسب استجابة جيدة، بينما تمثل العلاجات المناعية والموجهة تطورًا كبيرًا فى تحسين نتائج المرض رغم ارتفاع تكلفتها، مؤكدًا سعى الدولة لإتاحتها من خلال منظومة التأمين الصحى الشامل، إلى جانب تحديث الإرشادات العلاجية عبر المجلس الصحى المصرى وفق أحدث البيانات والإحصائيات.

دور الباثولوجي

أكدت الدكتورة نادية مختار، أستاذ الباثولوجى بالمعهد القومى للأورام جامعة القاهرة، أن علم الباثولوجى يُعد حجر الأساس فى تشخيص الأورام، مشددة على أن التشخيص السليم يقود إلى العلاج السليم، وكلما تم أخذ العينة فى وقت مبكر ارتفعت نسب الشفاء.

وأوضحت أن الاكتشاف قد يتم فى بعض الحالات قبل التحول السرطاني، وهو ما يمثل المرحلة المثلى للتدخل الطبي، حيث يمكن من خلال فحص العينة التأكد من عدم وجود سرطان، مع رصد تغيرات خلوية تشير إلى احتمالية تطور المرض مستقبلًا، مؤكدة أن الاكتشاف فى هذه المرحلة قد يرفع نسب الشفاء إلى 100%.

أثر الاكتشاف المبكر

وعن أعراض الاكتشاف المبكر، أشارت د. نادية مختار، إلى أن المرض قد لا تكون له أى أعراض فى بعض الأحيان، وهو ما يجعل الاكتشاف المبكر عاملًا حاسمًا فى فرص الشفاء، كما يؤثر بشكل مباشر على حجم ونوع العلاج الذى يحصل عليه المريض.

وأضافت أن العينات التى يتم أخذها تحت الأشعة تكون أكثر دقة، وبعد تحليلها يتم تحديد خطة التعامل مع الحالة، سواء بالجراحة أو العلاج المناسب أو الاكتفاء بالمتابعة فقط.

الذكاء الاصطناعي

كما أكدت د. نادية مختار أن الذكاء الاصطناعى أصبح أداة مهمة فى هذا المجال، حيث يُستخدم فى توجيه أخذ العينات أثناء الأشعة، ويساعد أيضًا فى قراءة وتحليل الصور بدقة عالية، موضحة أن الذكاء الاصطناعى يمتلك قدرة كبيرة على التعلم بفضل اطلاعه على آلاف الحالات المخزنة، ما يجعله فى كثير من الأحيان أكثر دقة، مشيرة إلى أن الأطباء أنفسهم قد يتعلمون من نتائجه، مؤكدة أن تجاهل دوره فى الطب يُعد خطأً.

دور الجينوم

وأكدت د. نادية زخاري، وزيرة البحث العلمى الأسبق، أن سرطان الرئة يمثل نحو 7% من إجمالى نسب السرطانات، مشيرة إلى أن تحديد الجينوم الخاص بالمريض أصبح أداة حاسمة لفهم المرض، حيث يتيح التمييز بين المصابين وغير المصابين بسرطان الرئة، والتعرف على المسببات الرئيسية للمرض، ومن ثم وضع خطة علاج موجهة ومخصصة لكل حالة، وهو ما يُعرف بالطب الشخصي.

وأوضحت أن لكل مريض خطة علاج تختلف عن الآخر وفقًا للتركيب الجينى للورم، مؤكدة أن التطور العلمى يشهد يومًا بعد يوم ظهور أدوية جديدة، سواء من العلاجات الموجهة أو العلاج الكيميائى أو الإشعاعي، بما يوسع من الخيارات العلاجية المتاحة.

دراسة المومياوات

وأشارت د. نادية زخارى إلى أن مشروع الجينوم المصرى يبحث فى عدة محاور، من بينها دراسة المومياوات لإثبات الجذور المصرية، إلى جانب دراسة الجينات لدى المصريين ومقارنة المرضى بغير المرضى، بهدف تحديد الجينات التى قد تحمى من الإصابة بالسرطان وتلك التى تُسهم فى حدوثه، ودراسة هذه الأنماط الوراثية بشكل علمي.

وتطرقت إلى بعض السرطانات المنتشرة، وعلى رأسها سرطان الكبد، مؤكدة أن الجينوم المصرى يبحث الان وضع المرضى بعد القضاء على فيروس سي، وما آلت إليه معدلات الإصابة والشفاء، لافتة إلى أن الزيادة الملحوظة فى أعداد المرضى ترجع إلى تحسن وسائل الاكتشاف المبكر ودقة التشخيص، فضلًا عن ارتفاع متوسط العمر الافتراضى للإنسان، ما يزيد من فرص الإصابة بالسرطان مع التقدم فى السن، مع التأكيد على أن علاج الأورام السرطانية لا يزال مرتفع التكلفة.ط

التطورات الحديثة

وشددت د. نادية زخارى على أهمية الوقاية والكشف المبكر، مؤكدة أن التشخيص فى المراحل الأولى قد يرفع نسب الشفاء إلى 90%، مطالبة بتنفيذ برامج توعية ومسح وطنية تستهدف الفئات الأكثر عرضة للإصابة، خاصة المدخنين.

كما سلطت الضوء على التطورات الحديثة فى طب أورام الصدر والرئة، مشيرة إلى أن الاتجاه العالمى الجديد يعتمد على الفحص الجينى الدقيق للورم والعلاج الموجه للطفرات الجينية، بما يضمن دقة أكبر فى العلاج وتحسين النتائج العلاجية.

العلاجات الذكية

من جهته، أوضح د. يسرى رستم، أستاذ علاج الأورام بجامعة الإسكندرية، أن طرقًا علاجية جديدة ظهرت خلال الفترة الأخيرة تعتمد على ما يُعرف بـ"العلاجات الذكية"، مشيرًا إلى إدخال أجهزة إشعاعية متقدمة وظهور الجيل الثانى من العلاجات الموجهة، مؤكدًا أهمية الفهم العميق للبيولوجيا الجزيئية للورم فى اختيار العلاج الأمثل.

وأشار إلى أن العلاج المناعى أحدث تحولًا حقيقيًا فى علاج سرطان الرئة المتقدم، موضحًا أن الاستراتيجية الواعدة لمواجهة مقاومة بعض الأورام للعلاج تتمثل فى الدمج بين العلاجات المناعية المختلفة أو إضافة علاجات جديدة.

كما أكد أن العلاج المناعى والعلاج الموجه غيّرا خريطة علاج سرطان الرئة بشكل جذري، لافتًا إلى الأهمية المتزايدة للخزعة السائلة كطفرة نوعية فى التشخيص والمتابعة، حيث تساعد فى اختيار العلاج الموجه، وتحديد الطفرات التى قد تمنح مقاومة لبعض الأدوية.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان