تُعد الفنانة الراحلة سناء جميل واحدة من أبرز رموز الفن المصري، ليس فقط بسبب طول مشوارها الفني الذي امتد لأكثر من خمسة عقود، بل لأنها كانت حالة فنية وإنسانية استثنائية، جمعت بين الجرأة والموهبة، وبين الإبداع والجدل، لتظلّ واحدة من أكثر الفنانات تأثيرًا في ذاكرة السينما والمسرح والتليفزيون المصري.

لم تكن سناء جميل مجرد ممثلة تؤدي أدوارًا، بل كانت فنانة تعيش الشخصية بكل تفاصيلها النفسية والإنسانية، فتمنحها روحًا خاصة لا تُنسى، وهو ما جعلها دائمًا الاختيار الأصعب والأصدق للأدوار المركبة.

من "ثريا عطا الله" إلى سناء جميل
وُلدت سناء جميل، واسمها الحقيقي ثريا يوسف عطا الله، في 27 أبريل عام 1930، بمركز ملوي التابع لمحافظة المنيا، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى القاهرة، حيث التحقت بإحدى المدارس الفرنسية، واستمرت بها حتى المرحلة الثانوية.

منذ سنوات الدراسة الأولى، ظهرت ميولها الفنية بوضوح، فشاركت في العديد من المسرحيات باللغة الفرنسية، ولفتت الأنظار بموهبتها المبكرة، إلا أن طريق الفن لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان محفوفًا بالصدامات العائلية.

التحقت سرًا بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهو القرار الذي تسبب في قطيعة بينها وبين شقيقها وعائلتها لفترة طويلة، لكنها اختارت الفن طريقًا لا رجعة فيه، لتتخرج في المعهد عام 1953، وتبدأ رحلة شاقة من إثبات الذات.
الاسم الفني… حين ولدت سناء جميل
كان للفنان المسرحي الكبير زكي طليمات دور محوري في مسيرتها، إذ اختار لها اسمها الفني "سناء جميل" بدلًا من اسمها الحقيقي، وذلك أثناء مشاركتها في مسرحية "الحجاج بن يوسف"، ليكون الاسم بمثابة ميلاد جديد لفنانة ستترك بصمة لا تُمحى.
عملت سناء جميل في المسرح لسنوات طويلة، ووقفت على خشباته في أعمال كلاسيكية عالمية ومصرية، صقلت موهبتها ومنحتها عمقًا استثنائيًا في الأداء.

الانطلاقة الحقيقية… "بداية ونهاية"
رغم مشاركاتها السينمائية المبكرة منذ أوائل الخمسينيات، جاءت انطلاقتها الحقيقية عام 1960، عندما رشحها المخرج الكبير صلاح أبو سيف لتجسيد شخصية "نفيسة" في فيلم "بداية ونهاية"، بعد اعتذار الفنانة فاتن حمامة عن الدور.
كان الدور اختبارًا قاسيًا لممثلة شابة، لكنه تحوّل إلى شهادة ميلاد فنية حقيقية، حيث قدمت شخصية إنسانية موجعة، مستوحاة من رواية نجيب محفوظ، وحققت نجاحًا نقديًا وجماهيريًا لافتًا، لتتوالى بعدها أدوارها المهمة.
من الأرستقراطية إلى المرأة الشعبية
قدمت سناء جميل خلال مشوارها الفني ما يقرب من 165 عملًا فنيًا، تنقلت خلالها بسلاسة بين الكوميديا والدراما، وبين المرأة الأرستقراطية والمرأة الشعبية، دون أن تقع في فخ التكرار.

وبرزت في أفلام خالدة مثل:
- الزوجة الثانية
- الشوارع الخلفية
- الخرتيت
- اضحك الصورة تطلع حلوة
- ملائكة الشوارع
لكن ذروة تألقها الجماهيري جاءت من خلال التليفزيون، وخاصة في مسلسل "الراية البيضاء" (1988)، حيث جسدت شخصية "فضة المعداوي"، المرأة التي تمثل الطمع والصعود الطبقي القاسي، في أداء اعتُبر واحدًا من أعظم أدوار الدراما المصرية.

وقال الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة عنها: "ما منحته سناء للشخصية من حياة وروح فاق كل توقعاتي وتصوراتي، فهي أضفت عليها تألقها الخاص."
المسرح.. العشق الأول والأصدق
ظل المسرح هو العشق الأول لسناء جميل، وقدمت عليه عشرات الأعمال المهمة، من بينها:
"طماكبث"، "الحجاج بن يوسف"، "زواج فيجارو"، "تاجر البندقية"، "زيارة السيدة العجوز"، "ليلة مصرع جيفارا"، "شهرزاد"، "رقصة الموت"، وغيرها من الأعمال التي أكدت قدرتها على أداء النصوص الكلاسيكية والحديثة بنفس القوة.

حياتها الشخصية.. زواج بعيد عن الأضواء
في منتصف الستينيات، تزوجت من الكاتب الصحفي الكبير لويس جريس، وشكّلا معًا ثنائيًا ثقافيًا هادئًا بعيدًا عن ضجيج الوسط الفني، وظلت علاقتهما قائمة على التفاهم والدعم حتى رحيلها.

الجوائز والتكريم
حصدت سناء جميل العديد من الجوائز، أبرزها:
جوائز وزارة الثقافة ووزارة الإعلام.
وسام العلوم والفنون عام 1967.
تكريم خاص في مهرجان الأفلام الروائية عام 1998.
كما أُدرجت أفلامها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وفق استفتاء عام 1996.

الرحيل والجدل الأخير
رحلت سناء جميل عن عالمنا في 22 ديسمبر 2002، بعد صراع مع سرطان الرئة، عن عمر ناهز 72 عامًا، لكن حتى لحظة وداعها لم يخلُ المشهد من الجدل، إذ أرجأ زوجها دفن الجثمان لمدة ثلاثة أيام، أملًا في حضور أسرتها، قبل أن تُدفن دون حضورهم.
رحل الجسد، وبقي الأثر… وبقيت سناء جميل واحدة من الفنانات القلائل اللاتي لم يتكرر حضورهن، ولم تخفت أضواء موهبتهن مهما مر الزمن.