أثار مشهد درامي في مسلسل "ميدتيرمط حالة من الجدل، بعدما لجأ أبوان إلى حبس نجلهما "أدم" داخل غرفة مغلقة بالمنزل، في محاولة لعلاجه من إدمان المخدرات بعيدًا عن المصحات المتخصصة، خوفًا من نظرة المجتمع ووصمته.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد فوزي، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة أسيوط، أن حبس المدمن داخل المنزل لا يُعد علاجًا طبيًا للإدمان، بل قد يتحول في بعض الحالات إلى خطر جسيم يهدد حياة المريض، خاصة إذا تم استخدامه كبديل كامل للعلاج المتخصص.
وأوضح فوزي أن تحويل الغرفة إلى ما يشبه “سجنًا منزليًا” يُعد خطأً طبيًا ونفسيًا، مشيرًا إلى أن التوقف المفاجئ عن بعض أنواع المخدرات، لا سيما المهدئات والكحول، قد يؤدي إلى أعراض انسحابية خطيرة مثل التشنجات العصبية، والهلاوس السمعية والبصرية، واضطرابات الوعي الحادة، وهي حالة تُعرف طبيًا باسم "الهذيان الارتعاشي"، وقد تهدد الحياة.
وأشار إلى أن دراسات طبية حديثة توضح أن 3 إلى 5% من حالات انسحاب الكحول الشديد قد تتعرض لتشنجات خطيرة إذا لم تُدار طبيًا، مع ارتفاع النسبة لدى المرضى الذين لديهم تاريخ مرضي سابق.
مراحل انسحاب المدمن
وأوضح أستاذ الطب النفسي أن أعراض الانسحاب تمر بعدة مراحل تختلف شدتها حسب نوع المخدر ومدة التعاطي:
المرحلة الأولى:
صدمة جسدية ونفسية تشمل قلقًا شديدًا، توترًا، أرقًا، تعرقًا، رعشة، قيئًا أو إسهالًا، مع رغبة ملحة في العودة للتعاطي، وإنكار المشكلة أو التقليل من خطورتها.
المرحلة الثانية (الأخطر):
ذروة الأعراض، وتشمل اضطراب السلوك أو الوعي، مع احتمالية حدوث تشنجات أو هلاوس، وهنا يصبح التدخل الطبي ضرورة ملحّة.
المرحلة الثالثة:
الانكسار النفسي، وتظهر في صورة اكتئاب، حزن، شعور بالذنب، فراغ نفسي، وأفكار سوداوية أو يأس من التعافي.
المرحلة الرابعة:
الاستقرار الظاهري، حيث تتحسن الحالة الجسدية وتختفي الأعراض الحادة، إلا أن خطر الانتكاس يظل مرتفعًا دون علاج نفسي وتأهيلي.
وأكد الدكتور محمد فوزي أن سحب المخدر من الجسم (الديتوكس) هو مجرد خطوة أولى، وليس علاجًا كاملًا، مشيرًا إلى أن دراسات عالمية تؤكد أن نسبة كبيرة من المتعافين تنتكس خلال أسابيع إذا لم تُستكمل الخطة العلاجية النفسية والتأهيلية، حتى وإن تم الديتوكس داخل المستشفى.
متى تُستخدم الغرفة الآمنة؟
وأوضح أن ما يُعرف بـ«الغرفة الآمنة» قد يُستخدم فقط كإجراء مؤقت جدًا في حالات الهياج الحاد أو الخطر اللحظي، ولمدد قصيرة، وبشروط صارمة، أهمها:
وجود إشراف دائم وعدم ترك المريض بمفرده
خلو المكان من أي أدوات قد تُستخدم في إيذاء النفس
التواصل الفوري مع طبيب متخصص
عدم استخدام الغرفة كعقوبة أو وسيلة ضغط نفسي
كيف يُقاس التعافي الحقيقي؟
وأشار فوزي إلى أن التعافي لا يُقاس بالهدوء المؤقت أو المظهر الخارجي، بل يعتمد على أربعة محاور أساسية:
1. الاستقرار السلوكي:
انتظام النوم، واختفاء السلوكيات المريبة، وتحسن العلاقات الأسرية.
2. الاستقرار النفسي:
القدرة على مواجهة الضغوط دون اللجوء للمخدر، والتحكم في الرغبة الملحة للتعاطي.
3. الاستقرار الاجتماعي:
العودة التدريجية للعمل أو الدراسة، والالتزام بالمسؤوليات.
4. الدليل الموضوعي:
تحاليل دورية مفاجئة، ومتابعة منتظمة مع طبيب متخصص، وهو المعيار الأدق للحكم على التعافي.
متى يصبح الأمر طارئًا؟
وشدد أستاذ الطب النفسي على ضرورة التوجه الفوري إلى المستشفى عند ظهور:
تشنجات أو إغماء
هلاوس أو تشتت شديد
تهديد بإيذاء النفس أو الآخرين
قيء مستمر أو جفاف شديد
اضطرابات في التنفس أو الوعي
واختتم حديثه بالتأكيد على أن أفضل نتائج علاج الإدمان تتحقق من خلال برنامج متكامل يشمل تقييمًا طبيًا دقيقًا، وعلاجًا دوائيًا عند الحاجة، وعلاجًا نفسيًا وتأهيليًا، مع إشراك الأسرة في الخطة العلاجية.