لم يعد العنف في المجتمع مجرد حوادث فردية معزولة أو انفلاتات سلوكية عابرة بل أصبح ظاهرة متكررة تحمل دلالات خطيرة على ما يشهده النسق القيمي من تآكل وتفكك وهو ما يجعلنا أمام تهديد حقيقي للأمن القومي الاجتماعي لا يقل خطورة عن التهديدات الاقتصادية أو السياسية فحين تنهار القيم تسقط معها منظومة الضبط الاجتماعي ويتحول المجتمع إلى مساحات مفتوحة للصراع والفوضى.
إن المجتمع الذي كان يضبط سلوك أفراده بمنظومة واضحة من الأخلاق والعادات والتقاليد بات اليوم يعاني من سيولة قيمية غير مسبوقة فلم يعد هناك اتفاق ضمني على ما هو مقبول أو مرفوض وأصبحت لغة العنف هي الأداة الأسرع لفرض الرأي أو الحصول على الحق أو حتى لفت الانتباه هذا التحول الخطير لم يأت من فراغ بل هو نتيجة تراكمات طويلة بدأت بتراجع دور الأسرة وتفكك العلاقات داخلها ثم ضعف دور المدرسة والمؤسسات التربوية وانسحابها من تشكيل الوعي لصالح وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تعترف بقيم و لا تحكمها ضوابط
كما أن انتشار العنف بين الشباب وصغار السن يعد المؤشر الأخطر على تفكك القيم، فحين يتحول الطفل إلى مشروع جاني ويتعامل المراهق مع السكين أو السلاح الأبيض كوسيلة عادية لحل الخلاف فإننا أمام خلل عميق في منظومة التنشئة الاجتماعية، فالطفل لا يولد عنيفًا وإنما يكتسب العنف من بيئته ويتعلمه من مشاهد يراها يوميًا ومن محتوى يُقدَّم له بلا رقابة أو توجيه ومع غياب القدوة الحقيقية يصبح العنف سلوكًا مبررًا بل ومُبرمجًا.
ولعل السوشيال ميديا لعبت دورًا محوريًا في تسريع هذا الانهيار القيمي حيث تم استبدال القيم الأصيلة بثقافة التريند والشهرة السريعة وأصبح العنف والتجاوز وسيلة لتحقيق الانتشار والتفاعل ولم يعد الخطأ يُدان بل يُكافأ بعدد المشاهدات والمشاركات، هذا الواقع خلق أجيالًا ترى في العنف بطولة وفي البلطجة قوة وفي التعدي جرأة وهي مفاهيم تتناقض تمامًا مع أي مجتمع يسعى للاستقرار والبناء.
خطورة تفكك القيم لا تكمن فقط في زيادة معدلات الجريمة بل في ما هو أعمق من ذلك وهو ضرب الثقة بين أفراد المجتمع، ف العنف يولد الخوف و الخوف يهدم الترابط الاجتماعي و يضعف الانتماء و حين يفقد المواطن إحساسه بالأمان داخل مجتمعه تتراجع قيمة القانون و تعلو قيمة القوة وهنا يتحول المجتمع إلى ساحة صراع بدلاً من كونه كيانًا متماسكًا و هذا هو أخطر أشكال التهديد للأمن القومي لأنه يبدأ من الداخل و بأدوات داخلية.
إن الدولة وحدها لا تستطيع مواجهة هذا الخطر ما لم يُدرك المجتمع أن معركة القيم هي معركة وجود فالقوانين مهما كانت صارمة لن تنجح دون وعي مجتمعي حقيقي و دور الأسرة يظل خط الدفاع الأول في إعادة بناء القيم عبر التربية بالحوار و الاحتواء لا بالقسوة و الإهمال كما أن المدرسة مطالبة باستعادة دورها التربوي لا الاكتفاء بالدور التعليمي و الإعلام مطالب بالتوقف عن الترويج للعنف و التفاهة و تقديم نماذج إيجابية تعيد الاعتبار للقيم و العمل و النجاح الحقيقي
إن إعادة بناء منظومة القيم ليست ترفًا فكريًا و لا خطابًا إنشائيًا بل ضرورة أمنية و اجتماعية فالمجتمع الذي يحمي قيمه يحمي نفسه و المجتمع الذي يتهاون في أخلاقه يفتح الباب واسعًا أمام الفوضى و العنف و من هنا يصبح الحفاظ على القيم مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من البيت و لا تنتهي عند مؤسسات الدولة لأن الأمن القومي الاجتماعي لا يُحفظ بالسلاح وحده بل يُحمى قبل كل شيء بوعي الإنسان و أخلاقه و انتمائه الحقيقي لوطنه و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .