لا شك أن الشللية والتحزب فى بيئات العمل من الخطورة والاهمية بمكان حيث يتم تعريفها بأنها انقسام العمال أو المكون البشرى فى المجتمعات سواء كانت العمالية أو العلمية أو السياسية مجموعات مغلقة (شِلَل) لا تربطها روابط المصلحة العامة بل تجمع أفرادها المصالح الشخصية أو النظرة المحدودة و الفكر الواحد، فتتعاون فيما بينها لتحقيق مكاسب خاصة بأفرادها على حساب مصالح المجتمع الذى يجمعهم ، وهذا يُعمق فكر المحسوبية ، والمزاجية، وتغليب الولاءات الشخصية على الولاءات الجمعية وعلى الكفاءات المهنية والفكرية .
و الشللية حين تتمكن تظهر خطورتها في بيئات الأعمال، فتدمر العمل الجماعي ، وتقتل الطموح وتحد من الإبتكار ، فيتحول المخلص إلى منسحب، والمبدع إلى محبط، والمبادر إلى سلبى، والمتحمس إلى لامبالٍ .
والعمل النقابي من الأعمال الإنسانية والإجتماعية الهامة التي تعتمد على وحدة الهدف و وحدة الصف و ليست ممارسة إدارية أو وظيفة تنظيمية مجردة ، بل إن العمل النقابي قبل أى شيء سلوك أخلاقي وإنسانى منضبط يُبنى على أسس من القيم والمبادئ والفضائل والشمائل والصدق و العدل والمروءة والإيثار والرجولة وإنكار الذات وتقييم المواقف وتقديم المصالح العامة للمجتمع العمالي عن المصالح الشخصية ، تعبيراً عن روح الانتماء الجماعي والولاء المؤسسي ، والنضال اليومي من أجل زيادة الإنتاجية والحفاظ على المقدرات التي تؤدي بلا أدنى شك لحفظ كرامة العامل وحفظ حقوقه والعمل على زيادتها من خلال الأطر الشريعية واللوئح والنُظم الإدارية والقانونية .
و للعمل النقابى أخلاقيات وسلوكيات ضرورية ، حيث لا يُقاس نجاحه بمدى رفع الصوت بالصراخ أو بحجم إعلاء الشعارات والتصريحات ، ولا بالدخول فى العداوات والمهاترات ، بل يُقاس نجاحه بمدى الصدق فى القول ، والنزاهة فى الفعل ، والتعقل فى العرض ، والحكمة فى التحاور ، والعدل فى التشاور والشفافية فى النتائج ، والإخلاص والتفانى فى تمثيل الزملاء.
فالنقابى الحقيقى هو ذلكم المتسلح بالعلم والحكمة ، هو ذلك الذى يعلم متى يتكلم ومتى يصمت ، هو الذى يستطيع موازنة الواجبات بين حق العمل وحق العامل وهو الذى لا يُنصف المخطأ ولا يتهاون فى حق صاحب الحق ، النقابى الحقيقى هو الذى يُقدّم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة، وهو الذى يتحلّى بالصبر فى الوصول الى حلول منطقية لمشكلات العمال وهو الذى يتصف بالحكمة فى التعامل مع المواقف الصعبة التى تحتاج الى التروى والدراسة الكافية قبل التفاوض ، والنقابى الحقيقى هو الذى يجعل من سلوكياته قدوة بالأفعال قبل الكلام ، كما أن الالتزام الأخلاقى للنقابى يجب أن ينعكس فى تعامله مع الآخرين، باحترام الرأي المخالف، وتجنّب التخوين والإقصاء ، و عدم قتل طموح الطامحين و بناء كوادر الصف الثاني ومنحهم الثقة ودعمهم .
ولما ظهرت الشللية فى العمل النقابي أدت الى "تكتلات" أو "تحالفات" داخلها، بهدف السيطرة على القرار أو توزيع المناصب، تكتلات ذات توجهات إقصائية تخلو من أخلاقيات العمل بدلاً من العمل بشفافية لصالح الجميع ، ولكنها لرغبة بعض الأفراد فى احتكار النفوذ داخل النقابة بتقديم إغراءات وتنازلات لأفراد الشلة ، وهذا يؤدى لتشتيت الجهود وإضاعة الوقت فى الصراعات الداخلية بدلاً من الدفاع عن حقوق الأعضاء فتضيع حقوق العاملين ، و يتحول الجسد النقابى لساحة للصراعات الشخصية .
و النقابات العمالية فى جميع دول العالم، وجدت من أجل حماية حقوق الطبقة العاملة والدفاع عنها، ورفع كفاءة أعضائها والعمل على إيجاد حلول لقضاياها ورفعها إلى السلطة المختصة ، لذا تُعتبر شريك اجتماعى، على أساس أنها همزة الوصل بين ما يتعرض له العامل أوالموظف أو ما يُعانيه مهنياً أواجتماعياً، وبين السلطة المختصة لبحث هذه المطالب ووضع أولويات حلولها فى ضوء التشريعات دون تجاوز.
لذا فوحدة الصف داخل التنظيم النقابى يؤدى حتماً لإقناع المسئولين التنفيذيين بمدى أهمية هذا التنظيم ، أما فى حالة انقسام التنظيم الى شللية وتحزب يؤدى الى ضعف قوام التنظيم وعدم قدرته على إقناع الأجهزة التنفيذية بأنه يعمل من أجل العمال ، إذا كيف لتنظيم نقابى مهترأ ومتجزء الى شلة فى اليمين ومجموعة فى اليسار وكل يبكى على ليلاه ، أن يكون مقنعاً للأجهزة التنفيذية .
إن انتشار تلك المجموعات فى بيئة العمل النقابى خطيرة جداً، و غالباً ما تنموا هذه الشللية فى الكيانات كبيرة العدد ، حيث يتطلع البعض لجنى ثمار لم يجتهد فيها ، والبعض الأخر يطمح فى أن يكون المستقبل له بمفرده فتبدأ عملية إقصاء وتهميش المميزين ذوى الفكر المعتدل المرتبط بالغالبية العظمى من هذا التجمع العمالى ، ويعتمد افراد الشلة على أساليب لا تليق بالمجتمعات العمالية والعملية لإحباط أصحاب الخبرة والكفاءة .
إنَّ غاية العمل النقابى غاية شريفة سامية تتمثل فى قضاء حوائج ومطالب الزملاء ،المادية أو المعنوية أو التنظيمية،وهذا يتطلب أن تكون الوسائل ايضاً شريفة ، فالغايات الشريفة لا تحققها إلا الوسائل الشريفة ، ولم تكن غاية العمل النقابى يوماً وجاهة إجتماعية أو نفوذاً سلطوياً أو سعياً وراء منصباً سياسياً ، فالعمل النقابى أو الممثل النقابى الناجح لا يُقاس إلا بعدد وحجم الخدمات التى قُدمت ومجموع المشكلات التى تم حلها ، وحجم الصعوبات التى تم تذليلها ، وليست ولن تكون بعدد المناصب أو بحجم التصفيق المصطنع ولا التنظير السالب ، فالنقابيون الصادقون هم اولئك الذين يدافعون عن زملائهم ويخوضون الصعاب من أجلهم ، وليس دفاعاً عن أنفسهم ولا مواقعهم .
حفظ الله مصر