عام من الرصاص والرماد .. ووطن يحرس التاريخ

عام من الرصاص والرماد .. ووطن يحرس التاريخسعيد صلاح

الرأى28-12-2025 | 16:39

علي رصيف العام الراحل، أقف هناك ألملم شتات الحزن في جنبات نفسي، وألمم ذياك الحزن في عيون أطفال غزة ، ونكفكف دمع عواصم الأوطان التي أرهقها الاغتراب وهي تائهة في صدور أبنائها.

وبينما تطوي شمس العام أشرعتها لتغوص في محيط الزمن، نقف اليوم علي شرفة الأيام الراحلة، لا لنودع مجرد أرقام في تقويم، بل لنرثي شهورًا كانت ثقيلة بوقعها، عظيمة بأحداثها، وكأنها اختزال لعقود من الصراع والمكافحة، كان عامًا «مُرًّا» في مذاقه، «علقمًا» في فواجيعه، لكنه كان أيضاً «جلياً» في كشف الحقائق، وصادقاً في فرز الرجال والمواقف.

في 2025 رأينا الحزن بكل ألوانه، في عيون وقلوب كل من ضاعت وتمزقت أوطانهم حزنًا، كشف لنا أن «الوطن» ليس مجرد حدود، بل هو النبض الذي يرفض الانكسار، فبينما تآمرت الظروف علي دول كثيرة في محيطنا وفي خارجه، وقفت مصر كمنارة شامخة وسط طوفان من الفوضي، لتقول للعالم: إن للحق أصحابًا يحمونه، وللأرض حراسًا لا ينامون، أنا لا أودع عامًا مضي، بل أستقبل فجرًا جديدًا، أتمني أن نكتبه سويًا، بوعينا، وصبرنا، وإيماننا بأن القادم لا يُصنع إلا بسواعد «الشرفاء»، فلقد رأينا كيف تهاوت حصون وقسمت دول ومزقت خرائط، ووسط كل ذلك ظلت الدولة المصرية هي الصخرة التي تكسرت عليها أمواج «المتآمرين».

عام مُرّ، لم تكن فيه مصر تدافع عن أمنها القومي فحسب، بل كانت حائط الصد الأخير عن كرامة أمة بأكملها، ومن قلب القاهرة، أُجهضت مخططات التهجير ، ومن ردهات دبلوماسيتها المتزنة الشريفة، وحُميت مؤسسات ودول الأشقاء من الهدم والتمزق، اليوم، ننظر إلي الخلف لنفخر بصلابة «شعبنا»، وننظر للأمام برؤية «قيادة» استشرفت الخطر فاستعدت له، لنعلن للدنيا أن مصر كانت وستبقي عصية علي الانكسار، قويةً بإرادة أبنائها.

يقولون إن الأيام تكرر نفسها، لكن هذا العام كان استثنائيًا في دروسه، أراه «عام الغربلة»، حيث سقطت أقنعة الزيف الصهيوني أمام صمود غزة، وانكشفت خيانة المخططات أمام ثبات مصر ، في هذا العام الذي يودعنا ونودعه بعد ساعات، أثبت الإنسان المصري أن «الصبر» ليس ضعفًا، بل هو طاقة بناء في زمن الهدم، وأنه إنسان ينشد السلام ويصنعه مستندًا لرؤية ثاقبة قرأت تفاصيل المؤامرة خلف الحدود، فقرر التصدي لها ونجح بفضل الله ومدده.

لا يمكن للكلمات أن تبدأ دون أن تنحني إجلالاً لـ «غزة»، تلك البقعة الصغيرة التي غدت مركز ثقل الضمير العالمي، لقد شهدنا في هذا العام فصولاً من الإجرام الصهيوني لم تعهدها البشرية في عصرنا الحديث، حيث كشف العدو عن وجهه «الكلح» وخسته التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، كانت الصرخات القادمة من تحت الأنقاض تشق قلوبنا، وصور الأطفال الذين غادروا الدنيا قبل أن يدركوا معناها تطارد مناماتنا.

ولكن، وفي قلب هذا الظلام، برز الموقف المصري كحائط صد منيع، لم تكن مصر مجرد وسيط، بل كانت الشقيق الذي يحمل همّ الجرح علي كاهله، لقد وقفت الدولة المصرية، بقيادتها وشعبها، وقفة تاريخية أحبطت أخطر مخطط صهيوني في العصر الحديث، «مخطط التهجير القسري»، فلقد أرادوا تصفية القضية علي حساب الجغرافيا المصرية، لكن الإرادة المصرية كانت صلبة كصخور سيناء ، فرفعت شعارًا واحدًا» لا تصفية للقضية، ولا تفريط في حبة رمل»، هكذا حمت مصر أمنها القومي، وصانت حق الفلسطينيين في البقاء فوق أرضهم، مؤكدة أن السيادة المصرية «خط أحمر»، والكرامة العربية لا تُباع في سوق المقايضات الدولية، أيها «النخاسون».

«المايسترو».. نعم هو ما أري مصر عليه في العام الماضي وقبله، وأراه في الأعوام المقبلة، بعدما تمكنت من امتلاك قرارها بكل قوة وسيادة، فإذا ما نظرنا حولنا، لوجدنا مصر تضطلع بدور الذي يحاول الحفاظ علي إيقاع البقاء في منطقة تعصف بها رياح التقسيم، من سوريا التي تلملم جراحها، إلي ليبيا التي تقاوم التمزق، ومن اليمن الجريح إلي السودان الذي يواجه واحدة من أصعب أزماته، وصولاً إلي لبنان المثقل بالهموم.

لقد كان كان الدور المصري شريفًا وطنيًا بامتياز، لم يلهث وراء أطماع، ولم يسعَ لسرقة ثروات، بل كان هدفه الوحيد هو حماية مؤسسات الدولة الوطنية من الانهيار، لقد أدركت مصر أن سقوط أي عاصمة عربية في فخ التقسيم يعني اقتراب الخطر من الجميع، لذا كانت القاهرة هي «الملاذ»، وهي الصوت الذي ينادي دومًا،» الحل يجب أن يكون وطنيًا، والسيادة لا تتجزأ»، لقد حاربت مصر بوعيها الدبلوماسي محاولات تفكيك الجيوش الوطنية واستبدالها بالميليشيات، مؤمنة بأن استقرار المحيط هو جزء لا يتجزأ من استقرار المركز.

وفي خضم هذا الإعصار، برزت القيادة السياسية ممثلة في السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، كرجل دولة يمتلك قدرة فائقة علي قراءة الواقع واستشراف المستقبل، فلم يكن التعامل المصري مع الأزمات وليد الصدفة، بل كان نتاج رؤية ثاقبة لهذا الرجل الوطني الشريف، رؤية تدرك حجم المؤامرات التي تُحاك في الغرف المغلقة.

لقد عمل الرئيس عبد الفتاح السيسي بمنتهي الوطنية علي موازنة صعبة، وهي حماية الجبهة الداخلية من آثار التضخم العالمي والأزمات الاقتصادية، وفي الوقت ذاته، بناء قوة عسكرية واستراتيجية تجعل من مصر رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.

إن الحفاظ علي الأمن القومي المصري في ظل محيط «مشتعل» من كافة الجهات الاستراتيجية، هو إعجاز سياسي يعكس إخلاصًا مطلقًا لمقدرات هذا الشعب، ولو أردنا أن نتلمس ذلك واقعًا فلننظر إلي جيراننا من الدول الشقيقة المحيطة بمصر، وهي تودع عامها بدموع وتستقبل الآخر بترقب، وكيف يحاول الأعداء، بوجوههم المتعددة، إبقاء هذه الدول في حالة من «اللا - دولة» ليسهل نهب ثرواتها النفطية والمعدنية، فهذا السودان وهو يصارع من أجل وحدته، وهذه ليبيا وهي تحاول جمع شتاتها، هؤلاء الأشقاء يعيشون مخاضًا عسيرًا، والعدو لا يريد لهم النهوض، بل يسعي لدوام الفوضي لأنها التربة الخصبة لكل مخططات الهدم.

واستلهامًا من عبر الشعوب والدول ودروس الماضي والحاضر، علينا الإدراك جيدًا أن مخططات الشر تجاه مصر والمنطقة لم تنتهِ، بل تتبدل جلودها كما تتبدل الأفاعي، حرب الشائعات، الضغوط الاقتصادية، محاولات الوقيعة بين الشعب ومؤسساته، كلها أدوات في معركة «الجيل الرابع والخامس»، وأن نؤمن إيمانًا كاملاً بأن التصدي لا يكون بالسلاح فقط، بل بـ «الوعي»، الوعي بأن ما يحدث ليس صدفة، وأن المستهدف هو «الدولة» ككيان، التمسك بالهوية الوطنية، والالتفاف حول القيادة، وتقوية الجبهة الداخلية، هي السبل الوحيدة لإفشال هذه المخططات.

وختاما.. وقبل أن يختتم العام ساعاته ويلمم أوراق خريفه مختفيا في غياهب الفوضي الضاربة في كل جنباته، اعترف بكل فخر أن البطل الحقيقي في هذه الملحمة هو الشعب المصري وسيبقي هو البطل، هذا الشعب الذي أثبت للعالم أجمع أنه يمتلك «جينات البقاء»، لقد راهن أهل الشر في الداخل والخارج علي انكسار، هذا الشعب الذي دخل رغمًا عنه تحت وطأة الضغوط، لكنه أذهل الجميع بصلابته وصبره.

لقد أدرك المصريون وأشرف وأفتخر أنني واحد منهم بذكائهم الفطري وحسهم التاريخي أن وطنهم هو «الخيمة» الأخيرة التي تظلل الجميع ، ورغم كل المحاولات لزعزعة استقرار المحاور الاستراتيجية المحيطة، ظل كل واحد منهم، حارسًا بوعيه، مدركاً أن التضحية بالراحة المؤقتة أهون بكثير من ضياع الوطن.

لقد مضي العام بحلوه القليل ومرّه الكثير، لكننا نقف اليوم علي أعتاب العام الجديد، أكثر قوة، وأشد عودًا، وأعمق إيمانًا بأن مصر، التي حمتها عناية الله، ستظل دومًا صخرة تتحطم عليها كل أوهام الطامعين وأهل الشر.

وداعًا لعام من الألم.. وأهلاً بعام نرجوه للنصر والرفعة والعمل.

عامًا يحفظ فيه الله الجيش والوطن.. أبدًا ودائمًا.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان