«وثائق العدل» تفشل في حماية ترامب من عاصفة «إبستين»

«وثائق العدل» تفشل في حماية ترامب من عاصفة «إبستين»ترامب و إبستين

حوارات وتحقيقات28-12-2025 | 17:31

بالرغم من نشر وزارة العدل الأمريكية آلاف الوثائق من تحقيقاتها فى قضية رجل الأعمال الراحل والمدان بجرائم جنسية جيفرى إبستين ، إلا أن ذلك لم يخفف من حدة الأزمة التى تواجهها إدارة الرئيس دونالد ترامب بسبب هذه القضية ، حيث أثارت الوثائق المنشورة، انتقادات واسعة باعتبارها «منقحة» بشكل مفرط وغير مكتملة، إضافة إلى أنها لم تتضمن إشارات إلى الرئيس ترامب، رغم العلاقة السابقة التى جمعته بإبستين، وهو ما اعتبره مراقبون لافتا.

جاء الإفراج عن الوثائق بعد أشهر من المشاحنات السياسية الحادة، وسط غضب متزايد من بعض أشد مؤيدى ترامب، الذين اتهموا إدارته بالتباطؤ المتعمد فى الإفراج عن جميع السجلات المرتبطة بالقضية، للتستر على علاقات إبستين بشخصيات نافذة، وبالغموض الذى أحاط بوفاته عام 2019 داخل زنزانته فى سجن بنيويورك أثناء انتظاره المحاكمة بتهمة الاتجار الجنسى بقاصرات.

وكان ترامب قد تعهد خلال حملته الانتخابية بنشر جميع «ملفات إبستين»، إلا أنه تراجع عن موقفه، وحث الجمهوريين فى الكونجرس فى البداية على معارضة «قانون الشفافية» الذى يلزم الحكومة بنشر جميع السجلات المرتبطة بالقضية، لكنه فى النهاية رضخ لضغوط الكونجرس وقاعدته الانتخابية ووقع «قانون الشفافية» ليصبح نافذاً فى نوفمبر الماضى.

ومع ذلك، فإن الكشف الجزئى لملفات القضية، وتنقيح معظم المعلومات الواردة فيها، بحجة حماية التحقيقات الجارية وخصوصية الضحايا، قد أثار عاصفة من الانتقادات من قبل ضحايا لجيفرى إبستين، وكذلك نواب ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء.

فى هذا السياق، قالت مارينا لاسيردا إنها «نشعر بخيبة أمل كبيرة»، ولاسيردا واحدة من ألف ضحية مفترضة للملياردير الأمريكي الذى عُرف بعلاقاته مع كبار رجال الأعمال والمشاهير فى العالم، وتساءلت لاسيردا عبر شبكة «سى إن إن»: «لماذا لا نستطيع بكل بساطة الكشف عن الأسماء التى يجب الكشف عنها»، معربة عن أسفها لإخفاء هوية العديد من الأفراد المذكورين فى هذا الملف.

فى نفس السياق، قالت ضحية تدعى آشلى روبرايت لشبكة «سكاى نيوز» البريطانية، «لست مصدومة، بل أشعر بخيبة أمل. عندما أرى صفحات محذوفة بالكامل، لا يُعقل أن يكون ذلك لحماية هويات الضحايا فقط، ويجب أن يكون هناك سبب وجيه. لا أعرف إن كنا سنعرفه يوماً ما».

من جهته، أصدر كبير الديمقراطيين فى لجنة القضاء بمجلس الشيوخ السيناتور ديك دوربين، بياناً مشتركاً مع أعضاء آخرين من اللجنة، اتهموا فيه وزارة العدل بعدم الامتثال لقانون شفافية ملفات إبستين.

وقال جوش سوربى، المتحدث باسم دوربين والديمقراطيين فى اللجنة: «فشل وزارة العدل فى الامتثال الكامل لقانون شفافية ملفات إبستين لا ينتهك القانون فحسب، بل يستمر فى نمط هذه الإدارة فى حماية الرئيس ترامب وآخرين من الضالعين، ويستمر فى التغطية على حساب الناجين من إبستين».

بدوره، قال النائب جايمى راسكين، كبير الديمقراطيين فى لجنة القضاء بمجلس النواب، لشبكة «سى إن إن» إن ما جرى يهدف إلى «إخفاء أمور لا يريد ترامب الكشف عنها»، سواء كانت تتعلق به شخصيا أو بأفراد من دائرته الاجتماعية التى ارتبطت ب إبستين لسنوات.

هذه الانتقادات تكررت على لسان كل من النائب الجمهورى توماس ماسي والنائبة اليمينية المتطرفة مارجوري تايلور جرين التى شددت على أن «الهدف لا يجب أن يكون حماية أصحاب النفوذ السياسي»، ومعروف أن جرين كانت حليفة ل ترامب واختلفت معه بسبب قلة الشفافية فى هذه القضية.

كما اتهم مكتب الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون إدارة ترامب بمحاولة «حماية نفسها» عبر تسليط الضوء على صور قديمة لكلينتون لتشتيت الأنظار عن التدقيق فى ملفات أخرى، حيث لم تتضمن الدفعة الجديدة من الوثائق إشارات تذكر إلى الرئيس ترامب، فى حين ظهر اسم وصور الرئيس الأسبق كلينتون بشكل مكثف.

وتضمنت الدفعة الأخيرة من الصور المنشورة عدة صور لكلينتون، من بينها صورة له وهو فى مسبح مع شريكة إبستين المدانة، جيسلين ماكسويل، فى حين تظهر صورة أخرى كلينتون مستلقياً على ظهره واضعاً يديه خلف رأسه فى ما يبدو أنه جاكوزى.

ومن بين الشخصيات المعروفة الأخرى التى تضمنتها الوثائق الأمير البريطانى السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، إضافة إلى نجوم كبار مثل ميك جافر، ومايكل جاكسون، وديانا روس، وكريس تاكر، وكيفين سبيسي .

وحسب «أسوشيتد برس»، فإن عشرات آلاف الصفحات المنشورة لم تقدم سوى القليل من المعلومات الجديدة عن جرائم إبستين، كما لم تكشف تفاصيل القرارات القضائية التى مكنته من تجنب تهم فيدرالية خطيرة لسنوات.

كذلك حجبت وزارة العدل وثائق كان الجمهور يتطلع للاطلاع عليها، مثل مقابلات مكتب التحقيقات الفيدرالى (إف بى آى) مع الضحايا، ومذكرات وزارة العدل الداخلية بشأن قرارات الاتهام.

فى نفس الإطار، ذكرت «سى إن إن» فى تقرير مطول لها، أن المعلومات المتوفرة بالملفات التى تم نشرها، لا ترقى إلى مستوى الإفصاح الكامل الذى فرضه الكونجرس، ويقول خبراء إن العديد من الوثائق الحاسمة لفهم القضية وأسباب عدم محاكمة إبستين فى سنوات سابقة لم تُنشر بعد.

ورأت الشبكة الأمريكية أن الإفصاحات غير الكاملة والاتهامات المتبادلة ستطيل بالتأكيد من أمد الجدل السياسى بشأن قضية إبستين ، التى أحدثت انقسامات عميقة داخل الحزب الجمهورى وحركة ماجا «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وهو ما قد يكون له تداعيات سياسية وقانونية خطيرة محتملة، وقد يضر بالرئيس الذى يعانى من العديد من الأزمات السياسية فى ظل انخفاض شعبيته وسعيه لإعادة بناء الثقة فى طريقة إدارته لاقتصاد البلاد.

وأوضحت «سى إن إن» فى تقريرها أن تهرب إبستين الطويل من القانون، وطبيعة جرائمه المزعومة، وانتحاره أثناء انتظار محاكمته، كلها عوامل جعلت القضية مرتعًا خصبًا لنظريات المؤامرة التى تملأ أوساط اليمين المتطرف، وأن الكشف المحدود من قبل وزارة العدل سيعزز الانطباع بأن الحكومة تخفى شيئًا ما، حتى وإن لم يكن لديها ما تخفيه.

وخلص تقرير «سى إن إن» إلى أن مساعى الإدارة الأمريكية الحثيثة لإرضاء رغبة الرئيس الجامحة فى الانتقام من خصومه السياسيين، كالتسرع فى توجيه الاتهامات إلى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى السابق جيمس كومى، تُعزز الاتهامات بأن وزارة العدل فى عهد ترامب تحمى الرئيس بشكل فعلى، ومما يزيد الطين بلة أن نائب المدعى العام تود بلانش كان سابقا المحامى الشخصى لترامب.

من ناحية أخرى، أشارت «فينانشال تايمز» فى تقرير لها عن العاصفة السياسية التى تلاحق إدارة ترامب فيما يتعلق بملفات إبستين، إلى أن هذا الضرر السياسى يلحق ب ترامب فى وقت يسعى فيه لإعادة تركيز اهتمامه على التضخم والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وهما قضيتان تعدان من أهم ما يشغل بال الناخبين، وقد تسببتا فى تراجع شعبية ترامب فى استطلاعات الرأي، وهو مؤشر مقلق للجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس العام المقبل.

ونقلت الصحيفة البريطانية عن جورج بولاك، كبير المحللين الأمريكيين فى شركة «سيجنوم جلوبال أدفايزرز»، قوله: «بصرف النظر عن السبب وراء ذلك، يستمر ترامب فى السماح لقضية إبستين باستنزاف أجزاء من هويته السياسية»، مضيفا: «بالرغم من أن هذا لن يكون السبب وراء خسارة الجمهوريين فى انتخابات التجديد النصفي، إلا أن الطريقة التى تعاملت بها الإدارة مع الأمر لم تؤد إلا إلى زيادة شعور بعض الناخبين بالتهميش السياسى وشعورهم بالخيانة من قبل السياسى الذى توحدت معه هويتهم السياسية».

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان