ملامح الخطة "ب" .. كيف يواجه الحلفاء الأعيب ترامب ؟

ملامح الخطة "ب" .. كيف يواجه الحلفاء الأعيب ترامب ؟ترامب

حوارات وتحقيقات28-12-2025 | 17:35

منذ تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة للمرة الأولى عام 2017، اتسمت سياسته بأسلوبه القائم على الصفقات، والمرتكز على عقيدة أمريكا أولًا، والتخلى عن الحلفاء بشكل كبير، حتى أنه سخر علنًا من حلفائه الأوروبيين القدماء، وانسحب من معاهدات دولية مثل اتفاقية باريس للمناخ ، ووجه انتقادات لاذعة للدور الأمريكى فى دعم الحلفاء عسكريًا وتجاريًا.

ومع ذلك، لم تؤد سياسة ترامب الأحادية إلى انهيار التحالفات الأمريكية ، فعلى الرغم من استياء الحلفاء فى كثير من الأحيان من سياسة واشنطن، إلا أنهم لم يبتعدوا عن القوة العظمى المهيمنة فى العالم. ولم تشهد مبادئ العلاقات الخارجية، والإنفاق الدفاعي ، والتحالفات الجيوسياسية لشركاء الولايات المتحدة الأساسيين، مثل فرنسا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، أى تغيير يُذكر خلال فترة ولاية ترامب الأولى، بل على العكس، تكيفت هذه الدول مع ترامب لأنها رأت أن إضعاف العلاقات مع الولايات المتحدة سيكون أكثر خطورة على مصالحها الاقتصادية والأمنية من محاولة التصدى لتجاوزاته.

ومع الولاية الثانية للرئيس الأمريكي ، بات الأمر أشد وطأة، فعلى سبيل المثال، تحدث ترامب عن ضم كندا وجرينلاند وقصف المكسيك ، واستعادة قناة بنما، والتخلى عن أوكرانيا وتايوان. فهل يدفع هذا الوضع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين للبحث عن خطط أخرى بديلة فى مواجهة سياسة ترامب الأحادية؟

مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية طرحت هذا السؤال فى مقال تحليلى مطول لكل من فيليب جوردون، مستشار الأمن القومى لكمالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكى السابقة، ومارا كارلين مساعدة وزير الدفاع السابقة للشئون الإستراتيجية والخطط، حيث ذكر الكاتبان أنه بعد 8 عقود من الاعتماد على القوة الأمريكية بوصفها الضامن الأساسى للنظام الدولى، يواجه حلفاء الولايات المتحدة حقيقة مقلقة تتلخص فى أن واشنطن لم تعد ترى فى هذا الدور استثمارا يستحق تكلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وأشار الكاتبان، إلى أن رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين ظلوا على مدى 80 عامًا تقريبا يتبنون فكرة أساسية تقوم- رغم التناقضات والإخفاقات - على أن أمن أمريكا وازدهارها يتحققان بصون التحالفات، وردع العدوان، ودعم التجارة الحرة، والاستثمار فى المؤسسات الدولية، لكن الولاية الثانية للرئيس ترامب مثلت قطيعة مع هذا الإرث، فخلافا للولاية الأولى التى ضمت شخصيات كبحت جماح الانعزالية، يحيط ترامب نفسه اليوم بمسئولين يعتبرون التحالفات عبئاً، والالتزامات الخارجية استنزافًا غير مبرر للموارد الأمريكية دون عائد ملموس، فالفريق المحيط بالرئيس حاليًا والذى يضم نائبه جيه دى فانس، ووزير الحرب بيت هيجسيث، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسى جابار، تساورهم شكوك عميقة تجاه قيادة أمريكا للعالم، وحتى شخصيات مثل وزير الخارجية الحالى ماركو روبيو، الذى كان يوما من أبرز المدافعين عن السياسة الخارجية الحازمة، بدت وكأنها تخلت عن قناعاتها السابقة لتبقى منسجمة مع ترامب وقاعدته السياسية.

وتقوم الرؤية السائدة داخل الإدارة الأمريكية -وفق المقال- على افتراضات واضحة، وهى أن التحالفات غير ضرورية، والنظام التجارى المفتوح يضر بالمصالح الأمريكية، ويمكن للولايات المتحدة الدفاع عن نفسها دون شركاء، كما يحق للقوى الكبرى الهيمنة على جيرانها الأصغر، بل وضم أراض جديدة إذا اقتضت مصالحها ذلك.

هذا التحول يبرز بوضوح فى تعامل الإدارة الأمريكية الحالية مع أوروبا وحلف الناتو، فبينما شدد رؤساء أمريكيون سابقون على الالتزام الصارم بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، ربط ترامب هذا الالتزام بمسألة «دفع الفواتير»، بل ذهب إلى حد التلويح بالسيطرة على جزيرة جرينلاند، التابعة للدنمارك، وهى دولة حليفة، حتى بالقوة العسكرية، ما أثار احتمال استخدام الولايات المتحدة قوتها ضد حليف أطلسى بدل الدفاع عنه، وأيضًا موقف واشنطن المتخاذل– وفقا للمقال- عندما انتهكت روسيا الأجواء البولندية والرومانية، حيث فضلت هذه الإدارة الصمت، مما أجبر الدول الأوروبية على مواجهة التحديات الأمنية بمفردها لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، هذا الفراغ القيادى دفع القادة الأوروبيين إلى إدراك أن المظلة الأمريكية لم تعد تقى من الخطر الروسى، بل ربما تكون هى نفسها مصدر الخطر إذا ما قرر ترامب سحب القوات فجأة.

الأمر نفسه ينطبق على حلفاء الولايات المتحدة فى آسيا، حيث باتت التحالفات بين واشنطن وحلفائها هشة للغاية، وقد أبدت واشنطن استعدادا لمقايضة أمن حلفاء مثل تايوان مقابل «صفقة كبرى» مع الصين، حيث قام ترامب بتجميد تسليم أسلحة لتايوان، وتقييد التواصل الدبلوماسى معها، ورفض الالتزام الصريح بالدفاع عنها، ويُعد تصريح وزير التجارة هوارد لوتنيك بأن الدفاع عن تايوان مرهون بنقل نصف قدراتها فى صناعة أشباه الموصلات إلى الولايات المتحدة، دليلا قاطعًا على تحول السياسة الأمريكية إلى نمط من الابتزاز الاقتصادى.

وفى مواجهة هذا الواقع، بدأت ملامح «الخطة ب» بالظهور، فالدول الحليفة تزيد إنفاقها الدفاعى، وتعزز التعاون الإقليمى بينها، وتسعى إلى تقليص اعتمادها على الصناعات العسكرية الأمريكية، وبعضها يفتح نقاشات حساسة عن امتلاك قدرات نووية مستقلة، رغم تكلفة ذلك السياسية والتقنية والمخاطر المترتبة عليه.

هذا المسار من شأنه - وفقًا للمقال- أن يغير وجه الخارطة الجيوسياسية للأبد. ويتضمن ذلك تعزيز الاستقلال الإستراتيجى بتفضيل الصناعات الدفاعية المحلية على الموردين الأمريكيين. فعلى سبيل المثال، تجاوزت الدنمارك الشركات الأمريكية لتبرم صفقة دفاع جوى ضخمة مع شركات أوروبية، ويحذر الكاتبان من أن تراجع القيادة الأمريكية ستكون له تبعات اقتصادية عميقة، إذ قد يدفع الحلفاء إلى بناء ترتيبات تجارية جديدة بعيدا عن واشنطن.

فى السياق ذاته، ذكرت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية، أن هناك تحولا إستراتيجيا عميقا تشهده فرنسا وأوروبا عموما، فى ظل تزايد القناعة بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكًا أمنيًا يمكن الاعتماد عليه كما فى السابق، مشيرة إلى أن باريس، مع عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى السلطة، وتصاعد خطابه العدائى تجاه أوروبا وحلف الناتو، وجدت نفسها أمام لحظة كانت تتوقعها منذ عقود، وهى لحظة اضطرار الأوروبيين إلى الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم.

أضف تعليق