صُناع المحتوى أم صُناع الهدم

صُناع المحتوى أم صُناع الهدمدكتور يحيى هاشم

الرأى3-1-2026 | 13:05

في السنوات الأخيرة تحول التريند من مجرد ظاهرة رقمية عابرة إلى أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه السلوك المجتمعي حيث أصبح السباق نحو المشاهدات واللايكات هو المحرك الأساسي لكثير من المحتوى الذي يُقدم على منصات التواصل الاجتماعي دون أي اعتبار للقيم أو الأخلاق أو التأثيرات النفسية والاجتماعية الخطيرة و هو ما فتح الباب أمام فئة من البلوجرز و صناع المحتوى لاحتلال مساحة واسعة من التأثير رغم افتقار عدد كبير منهم لأي قيمة معرفية أو ثقافية أو إنسانية حقيقية فصار المجتمع أسيرا لما يُفرض عليه من محتوى هابط يتصدر المشهد فقط لأنه مثير أو صادم أو خارج عن المألوف

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود منصات التواصل ذاتها و إنما في تحويلها إلى ساحة لتسويق التفاهة و تطبيع السلوكيات الشاذة و تقديم الانحراف الأخلاقي باعتباره حرية شخصية أو جرأة أو شطارة حيث يتم تصدير مشاهد العنف و الابتذال و السخرية من القيم و الأعراف المجتمعية في صورة ترفيه بينما يتم تغييب النماذج الجادة و الناجحة التي يمكن أن تكون قدوة حقيقية للشباب و هو ما يخلق خللا واضحا في ميزان القدوة ويجعل الشهرة هدفا في حد ذاتها بغض النظر عن الوسيلة أو الرسالة

كما أسهمت ثقافة التريند في تفريغ القضايا الجادة من مضمونها و تحويلها إلى مادة للاستهلاك السريع حيث يتم التعامل مع الأحداث المؤلمة أو الأزمات المجتمعية بمنطق التفاعل اللحظي دون وعي أو تحليل أو مسؤولية فتتحول المآسي إلى محتوى و تُستغل القضايا الحساسة لتحقيق انتشار أكبر و هو ما يُفقد المجتمع قدرته على التعاطف الحقيقي و الفهم العميق و يعزز حالة من اللامبالاة و التبلد الوجداني خاصة لدى الأجيال الأصغر سنا

ولا يمكن إغفال التأثير المباشر لهذا المحتوى على الأطفال و المراهقين الذين باتوا يتخذون من بعض البلوجرز نماذج يُحتذى بها فيقلدون سلوكياتهم و يتبنون لغتهم و أفكارهم دون إدراك للعواقب حيث يتم الترويج للثراء السريع دون جهد و للنجاح دون تعب و للشهرة دون قيمة مما يضرب مفاهيم العمل و الاجتهاد و الانتماء و يُضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع و الوطن

إن ترك الساحة الرقمية دون ضوابط أخلاقية أو مهنية يمثل تهديدا حقيقيا للأمن القومي الثقافي و الاجتماعي فهدم المجتمعات لا يبدأ دائما بالسلاح و إنما يبدأ بهدم القيم و تشويه الوعي و إفراغ العقول من المعنى و هو ما يحدث تدريجيا تحت مسمى الترفيه و صناعة المحتوى لذلك فإن المواجهة لا بد أن تكون شاملة تبدأ من تعزيز دور الأسرة في التربية الواعية و تفعيل دور المؤسسات التعليمية و الإعلامية في تقديم محتوى هادف و فرض معايير واضحة للمساءلة على كل من يستغل المنصات الرقمية في نشر الفوضى الفكرية و الأخلاقية

كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب وعيا جماعيا بخطورة ما يُستهلك يوميا من محتوى وقدرة على التمييز بين الحرية و الفوضى و بين الإبداع و التفاهة و بين الشهرة و القيمة فالمجتمع الذي يسمح للتفاهة بأن تقوده لا يمكنه أن يبني مستقبلا مستقرا ولا أن يحافظ على هويته أو تماسكه و عندما يقود اللايك المجتمع إلى الهاوية يتفكك المجتمع و تنهار منظومة القيم و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان