السعادة تبدو أحيانا كحلم يسعى إليه الجميع لكن البعض فقط من يدركه.. والبعض الآخر تتحول بالنسبة لهم إلى دموع وكأنه يخشى الفرح كما يخشى الألم.. يبتسم بخوف ويطفئ لحظات البهجة قبل أن تشتعل، كأن الفرح "نذير حزن".. فيرفض الاحتفال بزفافه أو يشعر بالقلق فى لحظة نجاحه، أو حتى يعتذر عن الخروج فى مناسبة سعيدة.. هؤلاء لا يكرهون السعادة ، بل يخافونها، ويعيشون أسرى ما يُعرف بـ "متلازمة الشيروفوبيا" — الخوف من الفرح، فما الذى يجعل القلب يرتجف حين يقترب من السعادة ؟ ولماذا يخشى البعض الابتسامة كما يخشون الفقد ؟
الشيروفوبيا (Cherophobia) مصطلح مشتق من الكلمة اليونانية "chero"، وتعنى "الفرح"، وتشير إلى الخوف غير المبرر من الشعور ب السعادة أو الفرح، بحسب الدكتور عادل شوقي، استشارى الطب النفسي، قبل أن يضيف، أن المصابين بهذه الحالة يعانون من قلق مفرط عند مواجهة مواقف سعيدة، حيث يربطون بين الفرح ووقوع أحداث سلبية أو كوارث لاحقة.
ويضيف: "الدماغ يطور آلية دفاعية بعد صدمات معينة، فيعتقد أن تجنب الفرح سيحميه من الألم، وهذه الفكرة قد تترسخ مع مرور الزمن، مما يجعل الشخص يعيش فى قلق دائم من أى لحظة سعادة."
عوامل تشكيلها
ووفقًا للدكتور عادل، فإن الشيروفوبيا قد تتشكل نتيجة عدة عوامل نفسية واجتماعية، من أبرزها الصدمات السابقة، كفقدان شخص عزيز بعد لحظة فرح، أو التعرض لخيبة أمل قاسية عقب نجاح ما كطفل فقد والدته بعد حفلة عيد ميلاده، فيربط الاحتفال بالموت، موضحا أنه من العوامل النفسية والاجتماعية التى قد تشكل الشيروفوبيا أيضا، الثقافة والمعتقدات، إذ إن هناك بعض الثقافات تُصور السعادة كنذير شؤم (مثل الاعتقاد بـ"العين الحاسدة")، وتنتشر عبارات مثل "اضحك كثيرًا، ستبكى بعدها!" مما يعزز الخوف من الفرح، هذا البعد الثقافى هو ما دفع العديد من الباحثين مؤخرًا إلى دراسة العلاقة بين المعتقدات الشعبية والخوف من السعادة .
ويضيف، أن الاضطرابات النفسية من أهم العوامل التى تشكل الشيروفوبيا أيضا، ومن صورها الاكتئاب، الذى تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، إلى معاناة 264 مليون شخص من أعراضه عالميًا، مما يعزز فكرة أن الفرح حالة مؤقتة يتبعها الحزن، كذلك اضطراب القلق، الذى يؤثر على 284 مليون شخص حول العالم، ويجعلهم أكثر عرضة لتوقع الأسوأ حتى فى اللحظات السعيدة.
أعراض الإصابة
تختلف الأعراض من شخص لآخر، لكنها غالبًا تشمل، تجنب الأنشطة الاجتماعية المبهجة مثل الحفلات أو الرحلات العائلية، وأيضا الشعور بالذنب عند الشعور بالسعادة، وكأن الفرح ليس حقًا مستحقًا، كذلك الاعتقاد بأن السعادة مؤقتة وستنتهى بنتيجة سيئة، فضلا عن الخوف من التخطيط للمستقبل أو تحقيق الأهداف خوفًا من الفشل أو الخسارة.
تأثيرات الشيروفوبيا
ويوضح تلك التأثيرات الدكتور عادل شوقي، استشارى الطب النفسى قائلا: " الشيروفوبيا ليست مجرد شعور عابر، بل قد تؤثر بشكل كبير على جودة حياة الشخص، حيث تجعله يتجنب الفرص الإيجابية خوفًا من العواقب المحتملة"، مستطردا: "فى العمل قد يرفض الشخص ترقية أو فرصة مهنية جديدة لأنه يعتقد أن النجاح مقدمة للفشل".
ويضيف: "فى العلاقات قد يتجنب تكوين علاقات عاطفية خوفًا من أن تنتهى بالانفصال أو الألم، وفى الأنشطة اليومية يبتعد عن المناسبات السعيدة، مما يجعله معزولًا اجتماعيًا.
دور الثقافات
فى بعض الثقافات، يُنظر إلى السعادة بحذر، حيث تربطها المجتمعات بالحسد أو "العين الحاسدة"، كما يشير د. عادل، قبل أن يشير إلى أنه فى بعض البلدان الآسيوية، يعتقد البعض أن الضحك بصوت عالٍ قد يجلب الحظ، وفى المجتمعات العربية، تُقال عبارات مثل: "لا تضحك كثيرًا، فالحزن قادم!" مما يزرع الخوف من الاستمتاع باللحظات السعيدة.
ويلفت الاستشارى النفسى النظر، إلى أنه فى ضوء الاهتمام العلمى المتزايد بهذه الحالة، بدأت الأبحاث الحديثة تكشف عن أبعاد أعمق للشيروفوبيا، تتجاوز مجرد الخوف من الفرح، إذ أظهرت دراسة حديثة أُجريت على طلاب جامعيين فى تركيا أن الصدمات النفسية فى الطفولة، مثل الإهمال العاطفى أو فقدان أحد الوالدين، ترتبط بشكل مباشر بارتفاع معدلات الخوف من السعادة.
معتقدات المجتمعات
تؤكد الدراسات أيضًا أن العوامل الثقافية تلعب دورًا محوريًا فى انتشار هذه الحالة، والحديث مازال للدكتور عادل، حيث تميل المجتمعات التى تؤمن بمعتقدات مثل "العين الحاسدة" أو "الفرح يجلب الحزن" إلى تسجيل معدلات أعلى من الشيروفوبيا مقارنةً بالمجتمعات الغربية.
ويستطرد: "ورغم ازدياد الاهتمام العلمى بهذه الظاهرة، إلا أن الشيروفوبيا لا تُعدّ حتى الآن اضطرابًا نفسيًا مستقلًا فى الدليل التشخيصى الأمريكى للأمراض النفسية (DSM-5)، بل تُدرج ضمن أنماط القلق أو الاكتئاب المرتبطة بالخوف من المشاعر الإيجابية"..
مقاييس علمية
من جهة أخرى، أشار الباحثون إلى أن الشيروفوبيا تُقاس عبر مقاييس علمية متخصصة مثل "مقياس الخوف من السعادة" (Fear of Happiness Scale)، والذى يعتمد على عبارات تكشف عن المعتقدات الداخلية للشخص، مثل: "إذا شعرتُ بسعادة كبيرة، فلابد أن شيئًا سيئًا سيحدث بعدها".
وتظهر نتائج هذه المقاييس أن ارتفاع الخوف من السعادة يرتبط بانخفاض مستوى الرفاهية النفسية، وارتفاع مؤشرات القلق والاكتئاب.
كيف تتخلص من الخوف بالسعادة؟
يشير الدكتور عادل شوقى إلى أن العلاج يعتمد على مزيج من الأساليب النفسية والسلوكية:
1. العلاج المعرفى السلوكى (CBT):
يساعد الشخص على استبدال الأفكار السلبية بأخرى إيجابية.
2. العلاج بالتعرض التدريجي:
تعريض الشخص لمواقف سعيدة بشكل تدريجى حتى يعتاد عليها دون خوف.
3. تقنيات الاسترخاء والتأمل:
مثل التنفس العميق واليوغا، لتهدئة العقل وتقليل مشاعر القلق.
4. الدعم النفسى والجماعي:
الانضمام إلى مجموعات دعم أو التحدث مع مختص نفسى يساعد فى فهم المشاعر والتعامل معها بشكل صحي.
نصائح للتغلب على الشيروفوبيا
يؤكد الدكتور مصطفى زكريا، استشارى الطب النفسي والعلاج السلوكى المعرفى، أن " الشيروفوبيا ليست مجرد خوف بسيط، بل هى حالة تستحق الاهتمام والعلاج، مضيفا: " السعادة ليست فخًا، بل هى حق للجميع. الاعتقاد بأن الحياة ستسلبنا الفرح هو وهم يجب أن نتصدى له من خلال تعزيز الوعى النفسى وتبنى مفاهيم إيجابية عن الحياة."
يقدم الدكتور مصطفى مجموعة من النصائح العملية، أولها تعرف على مشاعرك، ودوّنها عند الشعور ب السعادة وحاول فهم أسباب القلق المرتبط بها، وثانيها تحدى الأفكار السلبية، واسأل نفسك، هل هناك دليل حقيقى على أن السعادة ستؤدى إلى كارثة؟ غالبًا لا.
احتضن الفرح ولا تخف منه
ثالث النصائح التى يقدمها الدكتور مصطفى للتغلب على الشيروفوبيا ، ابدأ بأنشطة صغيرة مبهجة، كأن تستمع للموسيقى، أو تمارس الرياضة، أو تتنزه فى الطبيعة دون ربطها بنتائج مستقبلية، ورابعها أن تشارك مشاعرك، عبر التحدث مع شخص تثق به عن مخاوفك وتبادل الأفكار حولها، موضحا أن رابع النصائح هو طلب المساعدة المهنية، إذا شعرت أن الأمر يؤثر على حياتك بشكل كبير، فتحدث مع طبيب نفسى أو معالج مختص.
ويؤكد الدكتور مصطفى أن الشيروفوبيا قد تكون معركة خفية يخوضها كثيرون بصمت، لكنها ليست قدرًا محتومًا، حيث يمكن من خلال الوعى والعلاج والمساندة، لأى شخص أن يتصالح مع الفرح ويتعلم أن يعيشه دون خوف، مشددا على أن السعادة ليست جريمة، ولا فخًا ينتظرنا، بل هى حق إنسانى أصيل وجزء من رحلة الحياة نفسها.