تُعرَّف الحضارة الغربية تقليديًا بكونها وريثة المكون " اليهودي - المسيحي "، لكن السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال هذا الإرث الروحي يقود دفة التطور، أم أننا أمام تغول مادي حوَّل التقدم العلمي إلي آلة جافة تفتقر لروح وفطرة التحضر الإنساني؟ وهل يعكس هذا الانفجار المعرفي رقيًا بشريًا حقيقيًا، أم أن الفجوة قد اتسعت بين "عبقرية الاختراع" و"سمو الأخلاق"؟
واستكمالاً لما طرحناه في مقال سابق حول غياب الوعي لدى مستوردي أيدلوجيات ونظريات الغرب المعلبة، نجد أن " العلمانية الغربية " (بكسر العين نسبة للعالم لا العلم) قد صدَّرت لنا قوالب جاهزة للعلاقة بين الدين والحياة، كما صدّرت نماذج اللا دينيون المنكرون لرسالات السماء، هؤلاء الذين شنوا - ولا يزالوا - حربًا شعواء علي أديان السماء ورسالاتها، واصمين إياها تارة بأنها أحد أسباب التخلف عن ركب الحداثة، وتارة بالعداء للمرأة تحت مسمي "الذكورية"؛ هذا المصطلح الذي بات مثل "اللبانة" في أفواه أدعياء الليبرالية العرب، وللأسف، لم تلامس حداثة هؤلاء الأدعياء جوهر التقدم الغربي، بل انحصرت في قشور مثل التحرر الجسدي؛ فاعتبروا "الحرية" هي نزع غطاء الرأس عن المرأة (الحجاب) أو تجاوز محرمات الأديان، وصولاً إلي الانغماس في فوضي جنسية مطلقة تشرع "الزنا" و"المثلية"، وراحوا يبنون قواعد ونظريات لها تحت عناوين مثل "الجندر" و"النسوية"، وبالتبعية استورد أدعياء الثقافة، هذه المفاهيم، وغذوا بها مؤسساتنا الثقافية والحقوقية التي قبلتها دون تمحيص، متجاهلة غاياتها الأخيرة التي تستهدف تفكيك "الفطرة الإنسانية" وتجاوز الدساتير الإلهية التي نظمت بقاء الإنسان، وعمارة هذا الكون.
وما كان نزوع الليبراليين العرب لتبني هذه الأفكار التي عكست صدىً للثورة الفرنسية في حربها ضد الكنيسة الغربية قبل قرون، التي انتهت بابتكار ما يمكن تسميته "دين العقل"، وهذا المعتقد، لا مكان فيه إلا لما تلمسه اليد أو تراه العين؛ ومن ثم تلاشت "الماورائيات" واختفت الأسئلة الوجودية الكبري: من أين جئنا؟، وإلي أين المصير؟، واستعيض عنها بتفسيرات مادية جافة مثل "الانفجار العظيم" أو المقولات الدهرية التي تبحث عن راحة عقلية مؤقتة بعيدًا عن كدح الإيمان.
وهنا لا بد أن نتذكر دائمًا أن النهضة الغربية لم تولد من عدم، بل شُيدت فوق أعمدة الحضارة العربية التي نُهبت إنجازاتها ونُسبت لغير أصحابها. وبقوة السلاح والاستعمار، ثبّت الغرب أقدامه، وراح يعيد تصدير بضاعتنا المحدثة إلينا، بأثمان غالية جدًا، وأورث انتصار الغرب "الليبراليين العرب" في طبعاتهم الحديثة إحساسًا مزمنًا بالهزيمة النفسية.
وانتهي بهم المطاف إلي خضوع تام لثقافة تناصب العداء للأديان، وخاصة الإسلام والمسيحية الشرقية، ظنًا منهم أن الانسلاخ من الجذور هو ثمن الالتحاق بركب الأمم والحداثة.