تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان القدير هادي الجيار، أحد الوجوه التي لم تسعَ يومًا إلى الأضواء بقدر ما سعت إلى ترك أثر حقيقي في وجدان الجمهور. فنان آمن بأن الفن رسالة، وأن الموهبة تكتمل فقط بالإخلاص، فقدم عبر ما يقرب من خمسة عقود مسيرة حافلة بالأعمال التي ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة المصرية والعربية.
وُلد هادي الجيار عام 1949، وتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1970، ليبدأ رحلته الفنية مبكرًا من خلال الدراما التلفزيونية، حيث لفت الأنظار منذ خطواته الأولى بمشاركته في مسلسلي «القاهرة والناس» للمخرج محمد فاضل و«الكنز» للمخرج نور الدمرداش، لتتوالى بعدها أدواره المتنوعة التي أثبتت قدرته على التنقل بسلاسة بين مختلف أنماط الأداء.
قدّم الجيار خلال مشواره أكثر من مئتي عمل فني ما بين المسرح والسينما والتلفزيون، وأسهم في صناعة عدد من الأفلام التي تركت بصمتها، من بينها «لمن تشرق الشمس»، و«عندما تشرق الأحزان»، و«درب الجدعان». وعلى الشاشة الصغيرة، كان حضوره لافتًا في أعمال درامية مهمة مثل «المال والبنون»، و«الراية البيضاء»، و«الضوء الشارد»، و«ولد الغلابة»، حيث جسّد شخصيات قريبة من الواقع بصدق شديد.
ورغم هذا الرصيد الكبير، ظل دور «مرسي المدرس» في المسرحية الشهيرة «مدرسة المشاغبين» علامة فارقة في مسيرته، إذ ارتبط اسمه بهذا العمل الخالد الذي جمعه بكوكبة من نجوم جيله، وترك أثرًا ممتدًا عبر أجيال متعاقبة من الجمهور.
وقبيل رحيله، عبّر هادي الجيار عن أمنية خاصة بالمشاركة في عمل وطني يوثق بطولات الجيش المصري، وهو ما تحقق من خلال مشاركته في مسلسل «الاختيار 2»، حيث قدم أداءً نال إشادة واسعة، إلا أن القدر لم يمهله لاستكمال تصوير مشاهده الأخيرة.
وفي أيامه الأخيرة، أعلن الجيار إصابته بفيروس كورونا عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، طالبًا من جمهوره الدعاء، قبل أن يرحل متأثرًا بمضاعفات المرض، تاركًا حالة من الحزن في الوسط الفني وبين محبيه.
رحل هادي الجيار عن عالمنا، لكن حضوره لم يغِب، إذ بقيت أعماله شاهدًا على مسيرة فنان اختار أن يكون صادقًا مع نفسه وفنه، فاستحق مكانته في قلوب الجمهور، وخلّد اسمه كأحد أعمدة الأداء الهادئ العميق في تاريخ الفن المصري.