التجربة الصينية من الفقر إلى القوة

التجربة الصينية من الفقر إلى القوةدكتور يحيى هاشم

الرأى15-1-2026 | 10:36

نجحت الصين خلال العقود الماضية في تقديم واحدة من اهم و انجح تجارب الحماية الاجتماعية في العالم حيث استطاعت ان تنتشل مئات الملايين من الفقر المدقع و ان تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة و المواطن على أساس التمكين و ليس الإعالة فقط وهي تجربة تستحق التوقف امامها و دراستها بعمق خاصة في الدول النامية وعلى رأسها مصر .

كما تعتمد فلسفة الحماية الاجتماعية في الصين على مبدأ اساسي وهو أن الفقر ليس قدرا دائما بل حالة مؤقتة يمكن تغييرها من خلال التخطيط و العمل وربط الدعم بالتنمية البشرية لذلك لم تكتف الدولة الصينية بتقديم مساعدات نقدية بل ربطت كل برامج الحماية بالتعليم و التدريب والعمل والانتاج .

و من اهم ملامح التجربة الصينية هو الانتقال من الدعم العام الى الدعم الموجه حيث قامت الدولة بحصر دقيق للاسر الأكثر احتياجا باستخدام قواعد بيانات متطورة و ربطت بين الوزارات والهيئات المختلفة لضمان وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين و هو ما أدى إلى تقليل الهدر و زيادة كفاءة الانفاق الاجتماعي .

كما ركزت الصين على تنمية الريف باعتباره المصدر الرئيسي للفقر فتم اطلاق برامج خاصة لتطوير القرى الفقيرة شملت تحسين البنية التحتية و توفير فرص عمل محلية و دعم المشروعات الصغيرة و المتوسطة و تقديم قروض ميسرة مع تدريب فني و اداري مما حول القرى من عبء اقتصادي الى مناطق انتاج حقيقي .

اما التعليم فكان حجر الزاوية في منظومة الحماية الاجتماعية الصينية حيث تم اعتباره حقا أساسيا وإداة رئيسية للخروج من دائرة الفقر فتم تقديم دعم شامل للطلاب من الأسر الفقيرة يشمل المصروفات و الأدوات و الإعاشة لضمان عدم تسربهم من التعليم و ربط ذلك ببرامج تدريب مهني تتناسب مع احتياجات سوق العمل .

كما أولت الصين اهتماما كبيرا بالحماية الصحية فتم توسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل الفئات الأكثر فقرا مع تحمل الدولة الجزء الأكبر من التكلفة مما خفف الأعباء عن الأسر الفقيرة و حماها من السقوط في الفقر بسبب المرض .

الأهم في التجربة الصينية هو أن الحماية الاجتماعية لم تكن مجرد سياسة رفاهية بل جزء من مشروع قومي شامل للتنمية حيث تم ربطها بالتصنيع و الزراعة و التكنولوجيا و التحول الرقمي فكان الهدف النهائي هو بناء انسان قادر على الانتاج و المشاركة في التنمية و ليس مجرد متلقي للدعم .

و عند النظر إلى مصر نجد أن الدولة قطعت شوطا كبيرا في برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل و كرامة و التأمين الصحي الشامل و مبادرات دعم الفئات الأولى بالرعاية و هي برامج مهمة و مؤثرة لكن الاستفادة من التجربة الصينية تتطلب الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورا تقوم على التمكين الاقتصادي و ليس الدعم فقط .

يمكن لمصر الاستفادة من النموذج الصيني من خلال تطوير قواعد بيانات موحدة و دقيقة للفئات المستحقة و ربط الدعم بالتعليم و التدريب و العمل و تشجيع المشروعات الصغيرة في القرى و المناطق الاكثر فقرا مع تقديم دعم فني حقيقي و ليس تمويلا فقط.

كما يمكن الاستفادة من تجربة تنمية الريف الصيني في اطار المبادرات القومية مثل حياة كريمة عبر تحويل القرى الى مراكز انتاج زراعي و صناعي و حرفي و ربطها بسلاسل التسويق و التصدير بما يضمن استدامة الدخل و تحقيق العدالة الاجتماعية.

الحماية الاجتماعية الحقيقية ليست في زيادة الدعم فقط بل في خلق انسان قادر على الاعتماد على نفسه و المشاركة في بناء وطنه و هو الدرس الاهم الذي تقدمه التجربة الصينية لمصر و هي رسالة تؤكد ان الاستثمار في الانسان هو الطريق الاقصر للتنمية و الاستقرار و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان