نواصل البحث فى عمق الاختراق الاستخباراتى الصهيونى للجسد العربى من خلال الورقة البحثية للأستاذ الدكتور وليد عبد الحى المعنونة بـ "التغلغل الاستخبارى الإسرائيلى فى الدول العربية"، وننطلق من إنشاء جهاز الاستخبارات الرئيسى فى المسمى "الموساد"، الذى تمتد جذوره إلى ميليشيا "الهاجاناة" الإرهابية، التى عملت على الأراضى الفلسطينية قبل إعلان دولة الاحتلال؛ ليعمل "الجهاز" وفق عقيدة أمنية تعتبر العرب "الخطر الوجودي الأول" على دولة الاحتلال ، كما يرتكز عمل "الجهاز" على على أربعة محاور استراتيجية هى: تفكيك البنى العربية، التحالف العضوي مع المخابرات الأمريكية، انتهاج البراجماتية المطلقة، وتوثيق التعاون مع دول الجوار غير العربية ( إثيوبيا نموذجًا حاليًا).
وبميزانية ضخمة تزيد الآن على الـ 3 مليارات دولار وجيش من الموظفين يصل إلى 7 آلاف عنصر، يحتل الموساد المرتبة الثانية غربيًا بعد جهاز المخابرات الأمريكية الأشهر: سى أى أيه (CIA)..
وتتنوع مهام "الموساد" بين جمع المعلومات الاستراتيجية، وتنفيذ العمليات القذرة، وإحباط التسلح غير التقليدي للدول المعادية، وإدارة قنوات سياسية سرية مع دول لا تقيم علاقات رسمية مع دولة الاحتلال.
ومن حيث التكتيكات الميدانية، يعمل " الموساد " على استغلال التصدعات فى الدول ( المعادية لإسرائيل )، حيث يركز على اختراق الأقليات التى تعانى من تهميش سياسى أو اجتماعى داخل المنطقة العربية.
وفى عام 1956 نجح "الموساد" فى الوصول إلى خطاب سرى ألقاه الزعيم السوفيتى "خروتشوف" فى "الكرملين وتم تسليم نص الخطاب لأمريكا، فكان ذلك بمثابة نقطة تحوّل تاريخية فى التحالف مع واشنطن والشراكة الاستخبارية بين الطرفين. ومن نماذج الاختراق وعمليات " الموساد "، عملية سوزانا ، التى اشتهرت إعلاميًا باسم "فضيحة لافون" وتم كشفها فى مصر عام 1956، وقضية العميل " إيلى كوهين " الجاسوس الإسرائيلى الذى وصل إلى مراتب عليًا فى صفوف الجيش السورى، قبل أن تكتشفه السلطات (المصرية) وتبلغ دمشق، ليحاكم ويعدم عام 1965، وتظل العمليتان من أهم الشواهد الحية على استهداف النخب الحاكمة ومحاولات ضرب الجبهات الداخلية العربية.
وتكشف بيانات الواقع الراهن المرصودة عن حجم محاولات خرق مرعب؛ حيث تم الكشف عن 275 خلية تجسس إسرائيلية فى الدول العربية خلال ربع القرن الأخير، بمعدل يزيد على 11 خلية سنويًا، وهذا الرقم يشمل فقط "الخلايا المُعلنة"، مما يشير إلى وجود شبكات أخرى تعمل فى الظل، ما يعكس تغلغلاً استخباريًا عميقًا يطال كل الجغرافيا العربية دون استثناء (حسب الباحث) أ. د. وليد عبد الحى، الذى يؤكد أن إسرائيل لم تتوقّف عن التجسس على الدول العربية التى قامت بالتطبيع معها، بل إن التطبيع جعل الاختراق أكثر يسرًا، كما أنّ العولمة (التشابك التقنى، والاقتصادى، والاجتماعى الواسع بين وحدات المجتمع الدولي) جعلت التجسّس يتوارى خلف حجب كثيرة، مشيرًا إلى أن هناك تقارير حديثة رصدت تحولاً استراتيجيًا فى آليات التغلغل الصهيونى، حيث لم يعد التطبيع الخليجى تحديدًا مجرد مسار سياسى، بل استُخدم كـ "جسر عبور" لاختراق الجسد العربى عبر مأسس الاختراق الأمنى، وفى هذا الصدد كشفت شهادة "يوسى كوهين" (رئيس الموساد السابق) عن دور مباشر للجهاز فى "هيكلة الإدارات الأمنية" لبعض دول التطبيع، مما حوّل التعاون الاستخباري من مجرد تنسيق إلى "تأسيس مشترك" يمنح الاحتلال قدرة أعلى على النفاذ والسيطرة داخل الأجهزة السيادية العربية، حسب أ. د. عبد الحى.