صناعة القدوة

صناعة القدوةمحسن عليوة

الرأى24-1-2026 | 20:26

لقد أصبحت المجتمعات فى حاجة ماسة إلى القدوة ، نظراً لما أصاب هذه المجتمعات من تردٍ على كافة المستويات، و القدوة فى أبسط مفاهيمها هى الإنسان النموذج الذى يسعى الجميع إليه ليكتسب منه المعرفة و يتعلم منه حُسن الأخلاق وأنبل السلوكيات ، والرجل القدوة نسير على خطاه ونتبع أفكاره ونُحاكى تصرفاته ، و القدوة فى ذاتها مؤثر رئيسى فى بناء الشخصية السوية للإنسان منذ نشأته و طفولته وتكوين ملامح الشخصية.

كانت وستظل القدوة دائماً أبداً سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى فى ذلك { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ·}

وجاءت القدوات بعد ذلك فى الأب والعلماء والأساتذة والفقهاء والقادة ، وكانت الحكايات تُروى عن ذوى الأثر من الرجال والنساء أصحاب التميز والتأثير الإيجابى مجتمعياً ، ومن هنا تشكلت القوى المجتمعية التى أثرت وبشكل مباشر فى سلوكيات الأفراد المقتدين بهم فكرياً وأخلاقياً وقيمياً .

وتُعتبر القدوة حجر زاوية فى بناء شخصية الفرد الشخص من بداية إدراكه فى مقتبل العمر، حيث أنه فى بدايات إدراكه للبيئة التى يحيا بها لم يكن قد مر بأية تجارب سواء كانت إيجابية أو سلبية ولم يتعرض لصعوبات الحياة ومشاكلها، فينظر حوله بعقله فيما يجرى من أحداث باحثاً عن أشخاص يكونوا قدوة يقتدى بها و يتخذها مثلاً يُرشده ويدله على اتباع الطريق المستقيم ، ويستمد منهم التجارب

ويكتسب منهم الخبرات التى تُصقل شخصيته وتعمل على تكوينها.

وتكمن أهمية القدوة فى حياة المجتمعات أنها تجعل الطيبين من أفراد المجتمع يسيرون تجاه النجاح، مقتفين الأثر و ذات الآليات التى ساعدت أصحاب القدوة فى الوصول إلى ما وصلوا إليه من مكانة مجتمعية على أساس من الأخلاق والقيم .

و القدوة فى المجتمع ترتبط بمنظومة الفلسفة الأخلاقية والإجتماعية ، فمعيارية القدوة هو ذلك النموذج الأخلاقى والذى يجب أن يقتدى به أفراد المجتمع سلوكياً و وجدانياً أو بمعنى أكثر دقة كل معانى الأخلاقيات المتمثلة فى منظومة القيم المجتمعية المستمدة من الشرائع السماوية التى تُنظم سلوكيات الأفراد فى كافة المجالات التى تهدُف لبناء المجتمع والدولة على أساس من الخلق القويم.

إن وجود القدوة وعدم غيابها أو تغييبها من المجتمع يُعتبر ضرورةً مُلحة لما للقدوة من دور هام وتأثير إيجابى فى بناء مجتمع سليم ومتماسك.

إن تعظيم الشمائل والفضائل الأخلاقية و إحياء المعانى النبيلة ونشرها بين الناس تُعد من عوامل تحقيق القدوة على أرض الواقع ، لأن وجود القدوة فى المجتمعات تُمثل أهم الضمانات لمواجهة تأثير الأفكار السلبية التى تهدُف الى هدم وتفكيك المجتمعات وتضييع القيم والهُوية والإنتماء الوطنى .

لقد تغيرت الكثير من المفاهيم حول معايير القدوة الصالحة فى حياة الأفراد لعدة أسباب ، يأتى فى مقدمتها غياب الوازع الدينى وغياب دور الأسرة والمدرسة والجامعة من ذلك ، ثم يأتى دور الإعلام الحديث وأدواته وسرعة إيقاعه التى غيرت العديد من المفاهيم فى عقول النشء والشباب وذلك بتسليط الأضواء على النماذج السلبية ومدى ثراؤهم ومستوى معيشتهم وكيف وصلوا لذلك رغم محدودية معرفتهم وضحالة ثقافتهم ، فنحن جميعاً نرى ذلك بوضوح وكيف أثرت وسائل التواصل على تغيير مفهوم القدوة لدى النشء والشباب وفئات كثيرة من المجتمع ، وهنا لابد من وقفة لتصحيح المعايير ووضع أصحاب القدوات فى مقدمة الصفوف ليكونوا مُلهمين لمن حولهم ، لابد من الإهتمام إعلامياً بكل ما هو جاد ومفيد وتحية تقدير لخروج برنامج دولة التلاوة ليرى ويُبصر الجميع أن لدينا رصيد كبير من النماذج الإيجابية فى المجتمع وإن كنت أتمنى أن يتم عمل برامج مثل هذا البرنامج فى المجالات الأخرى رياضياً وعلمياً وعملياً للوصول الى عودة القدوة لعقول وقلوب أبنائنا وبناتنا ، لابد من الأخذ بيد كل صاحب رأى سديد وفكرٍ رشيد ولابد من إعلاء قيمة أهل العلم والفكر والإعتدال و كذلك وأد أى فكرٍ منحرف أو قولٌ مغلوط أو تصرف غير مسؤول ، ولابد من توفير البيئة الملائمة التى تستمر وتستقر فيها القيم وينموا الوعى وتزدهر الثقافة.

وتعلو وتزدهر قيمة القدوة المؤثرة كنموذج متكامل قوامه على خمسة أسس و أركان تتمثل فى الصدق قولاً وعملاً والثبات على المبدأ و عند النوازل و الجاذبية الشخصية بحُسن الحوار والتواضع ولين الجانب والمهارة التى تؤكد مكانة القدوة ومدى تأثير صاحبها والرسالة الداعية الى كل خير والتى هى الأصل فى القدوة ، وتلك الصفات هى مكونات القدوة التى يتوجب اتباعها .

وفى ظل ما يتعرض له العالم من مخاطر وتردى وتحديات معقدة و تهديدات أمنية و استراتيجية، وأزمات اقتصادية واجتماعية ، فإن صناعة القدوة أصبحت أمراً حتمياً بل وأمراً إستراتيجياً ، فالمرحلة تحتاج الى التماسك والإنتماء وحب الوطن ووجود القدوة الصالحة من أهم عوامل عبور تلك المرحلة بتحدياتها .
حفظ الله مصر

أضف تعليق