تُعَدُّ سلطنة عُمان نموذجًا فريدًا في محيطها الإقليمي والدولي في تَبنِّي سياسة خارجيَّة متزنة تقوم على الحكمة والحياد الإيجابي، وبناء جسور الثقة بَيْنَ مختلف الأطراف.. وقد أسهم هذا النهج بشكلٍ واضح في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ودعم جهود السلام في المنطقة الَّتي تعاني من أزمات سياسيَّة وأمنيَّة متشابكة.
ومنذ بواكير النهضة الحديثة أرست سلطنة عُمان مبادئ ثابتة في سياستها الخارجيَّة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخليَّة، وحلّ النزاعات عَبْرَ الحوار والوسائل السلميَّة.. وقد مكَّنها هذا النهج من الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليميَّة والدوليَّة حتَّى في ذروة أوقات التوتُّر والخلاف.
وقد برز الدَّوْر العُماني بشكلٍ خاص في جهود الوساطة الإقليميَّة، حيثُ اضطلعت السلطنة بأدوار هادئة ولكن مؤثِّرة في تقريب وجهات النظر بَيْنَ أطراف متنازعة عدَّة، فقد تميَّزت هذه الوساطات بالمصداقيَّة والسريَّة بعيدًا عن الضجيج ما أكسب عُمان ثقة الأطراف المختلفة وجعلها وسيطًا إيجابيًّا في العديد من الملفات الساخنة، ناهيك عن دَوْرها البارز في دعم أمن الملاحة البحريَّة واستقرار الممرَّات الاستراتيجيَّة انطلاقًا من موقعها الجغرافي الحيوي المطل على بحر العرب ومضيق هرمز، إذ تبنَّت سلطنة عُمان نهج التعاون الإقليمي والدولي لضمان حُريَّة الملاحة وأمن الطاقة بعيدًا عن سياسات التصعيد أو الاستقطاب.
وفي ظلِّ التحدِّيات الإقليميَّة المتزايدة، تواصل سلطنة عُمان التمسُّك بِدَوْرها كصوت للعقل والحكمة، مستندةً إلى إرث دبلوماسي عريق ورؤية مستقبليَّة تؤمن بأنَّ الأمن الإقليمي لا يتحقق إلَّا بالتفاهم والتعاون المشترك لِتظلَّ السلطنة ركيزةً أساسيَّة في دعم الاستقرار الإقليمي، ونموذجًا يُحتذى به في الدبلوماسيَّة المسؤولة.
فقد عاد الدور الدبلوماسي العماني إلى الواجهة خلال الأيام الماضية عندما وظفت عُمان دبلوماسيتها لمنع مواجهة كانت قاب قوسين أو أدنى بين أمريكا وإيران.. وكان يتوقع لو حدثت أن يمتد لهيبها إلى خطوط الملاحة في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
تحركت عُمان سريعا بوصفها الطرف الأكثر موثوقية في المنطقة والأكثر فهما لحجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن حرب مفتوحة بين أمريكا وإيران. لم تكن طرفا مباشرا في الصراع، أو طرفا يمكن تهديده اقتصاديا أو عسكريا.
كان دور الدبلوماسية العمانية في الأزمة الأخيرة واضحا جدا، إيضاح حجم الوهم المتصور من كل طرف تجاه الآخر، ومحاولة تقليص مساحة سوء الفهم، وتحديد كلفة العمل العسكري، وفتح نافذة زمنية تسمح للتهدئة بأن تصبح خيارا عمليا يمكن أن ينتج منه حوار أو تفاهم حقيقي.
لا تنظر سلطنة عُمان لما قامت به باعتباره بطولة فردية، أو معجزة سياسية.. تصف الدبلوماسية العمانية ما قامت به في الأيام الماضية وفي تجارب سابقة عملا تقنيا تملك مفاتيحه في يدها أكثر من غيرها. فتواصلت الدبلوماسية العمانية بالجهات المعنية في الجانبين ممن يستطيع أن يوقف سلسلة القرار والرد، والرد على الرد، كما حدث في مواجهات سابقة بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ثم صياغة "حدّ أدنى" يمكن للطرفين قبولُه من دون إذلال سياسي، ثم توفير طريق خروج يتيح لكل طرف أن يتراجع خطوة من غير أن تبدو تنازلا. لهذا تُفضّل مسقط الهدوء على الاستعراض في مثل هذه اللحظات الصعبة، وتستبدل "الإدانة" بإدارة الفجوة بين ما يريده كل طرف وما يستطيع تحمّله.
ومن هنا جاءت الاتصالات الهاتفيَّة الَّتي أجراها بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة في هذا الوقت الحرج مع نظرائه في كُلٍّ من روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا مؤخرًا لتعزيز الجهود المشتركة الرامية لاحتواء التصعيد ودعم مسارات التهدئة والتأكيد على أولويَّة الحوار والدبلوماسيَّة في معالجة القضايا العالقة، لا سِيَّما في ظلِّ التطورات المرتبطة بالملف النووي الإيراني. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى البيان العُماني الإيطالي المشترك الَّذي صدر عن رئيسة الوزراء الإيطاليَّة أثناء زيارتها للسلطنة والَّتي أشادت فيه بالدَّوْر المحوري الَّذي تضطلع به السلطنة في دعم الحوار وتعزيز السلام الإقليمي، وقَبل ذلك الكثير من الجهود الدبلوماسيَّة الملموسة من قِبل السلطنة من أجْل إقرار السلام.
وفي ذات السياق، أشادت صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية بالدبلوماسية العُمانية ودورها في رأب الصدع بين مختلف الأطراف، وحرصها على ترسيخ الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، وبناء علاقات صداقة مع جميع دول العالم قائمة على العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة. ونشرت الصحيفة مقالًا للرأي بقلم الإعلامي والإذاعي "تيم كونستانتين"، تطرَّق من خلاله إلى التطورات الجارية في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يخص الملف الإيراني، وما تشهده من اضطرابات نتيجة التظاهرات الشعبية التي شهدت سقوط أعدادٍ من القتلى.
وارتكز "كونستانتين" في مقالته على مُقابلة أجراها مع بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، عقب عودته من طهران، الأسبوع الماضي. وكشف فيها، أن إيران ترغب في إجراء حوار مع الولايات المُتحدة، وأن عُمان مستعدة للتوسط لتسهيل مباحثات إيرانية أمريكية، إذا ما وافق الطرف الأمريكي على ذلك. وقال الوزير البوسعيدي: "إنني أُفكر فعليًا في التواصل مع أصدقائنا الأمريكيين، لأقول لهم لقد زرتُ طهران، وهذا ما حدث. وهذا ما سمعته. الكرة الآن في ملعبكم. رجاءً إذا كنتم مُهتمين بالرد على ذلك، فإننا نسعد بنقل هذا الرد لهم".
ف عُمان تتماهى تمامًا مع توجه الصداقة للجميع، وقد سارت عليه طيلة التَّاريخ؛ فلم تتخندق يومًا في صف أي طرف، ولم تُعادِ أحدًا، وبينما تتبنى موقفًا واضحًا مناهضًا لإساءة استخدام حقوق الإنسان، فإنها لم تلجأ إلى القوة لفرض تدخلات. وفي المقابل، تؤمن عُمان بالتواصل، والنقاشات العقلانية، وإيجاد أرضية مشتركة، وهو ديدنها على الدوام.
ولخّص بدر البوسعيدي وزير الخارجية هذه الفلسفة قائلًا: " عُمان الآن دولة تعيش حالة سلام ذاتي، وسلام مع جيرانها، وتحظى بعلاقات صداقة وسلام مع كل دولة في العالم تقريبًا. إننا أصدقاء للجميع، وأعني الجميع.. وسنظل مؤمنين بهذا المبدأ".
المؤكد .. أنَّ الدَّوْر المتَّزن العاقل الَّذي تؤديه سلطنة عُمان ينسجم بشكلٍ وثيق مع مستهدفات رؤية " عُمان 2040" الَّتي تؤكِّد على تعزيز مكانة السلطنة كشريك فاعل في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، لأنَّ مبادئها الثابتة وتغليب لُغة الحوار والتفاهم على الصراع تنسجم مع محور "الحوكمة والأداء المؤسَّسي" في الرؤية المستقبليَّة الطموحة والَّذي يدعو إلى دبلوماسيَّة فاعلة مسؤولة وقادرة على إدارة العلاقات الدوليَّة بما يخدم المصالح الوطنيَّة ويعزز الأمن الإقليمي.
لذلك برز الدَّوْر العُماني النشط في مجال الوساطة وحلّ النزاعات كأحد أهم إسهامات السلطنة في دعم الاستقرار الإقليمي، واستطاعت أن تكُونَ جسرًا للحوار بَيْنَ أطراف إقليميَّة ودوليَّة مختلفة، وهو ما يعكس توجُّه الرؤية نَحْوَ بناء علاقات دوليَّة قائمة على الثقة المتبادلة والشَّراكات المستدامة.
وفي ظلِّ ما تشهده المنطقة من تحدِّيات متسارعة تواصل سلطنة عُمان أداء دَوْرها كصوت للحكمة والاتزان وسط محيط إقليمي ودولي مضطرب، مستندةً إلى إرث دبلوماسي راسخ ورؤية مستقبليَّة طموحة وهكذا، فإنَّ الدَّوْر العُماني في دعم الاستقرار الإقليمي لا يُعَدُّ مجرَّد خيار سياسي، بل هو مسار استراتيجي متكامل يتوافق مع رؤية « عُمان 2040» ويعكس التزام السلطنة بالمساهمة الإيجابيَّة في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة والعالم.