لم يعد غريبا أن نسمع عن فنان يفتتح مطعما أو كافيه أو مشروعا، بينما أصبح من النادر أن نسمع عن فنان يستثمر أمواله في إنتاج فيلم أو تأسيس استوديو تصوير أو تسجيل صوتي، أو إنشاء دار عرض سينمائي، وتحولت الأرباح التي جناها الفنانون من أعمالهم إلي نشاطات استهلاكية سريعة، بدلاً من أن يتم توجيهها للنهوض بالفنون.
في الماضي، لم يكن الفن مجرد وسيلة للثراء، بل كان مجالا للاستثمار طويل الأمد، والعبقري الراحل محمد فوزي، علي سبيل المثال، لم يكتف بنجوميته كمطرب وممثل، بل أسس أول مصنع وشركة مصرية للأسطوانات الغنائية، واضعا حجر الأساس لصناعة موسيقية وطنية كاملة، فيما قام فنانون آخرون بتأسيس شركات إنتاج سينمائي ، مؤمنين بأن ازدهار الفن يعني ازدهارهم هم أيضا، وأن ما يتركونه خلفهم لا يقل قيمة عن الشهرة والمال.
المفارقة أن فناني اليوم يحققون أرباحا تفوق بمراحل ما كان يحصده فنانو الأمس، سواء من الأجور المرتفعة أو الإعلانات أو المنصات الرقمية ، ومع ذلك يندر أن يغامر أحدهم باستثمار جزء من هذه الأموال في تطوير البنية التحتية للصناعة الفنية نفسها.
ويبرر البعض هذا التوجه بالخوف من تكرار مأساة فنانين كبار ماتوا فقراء أو منسيين، وبالرغبة المشروعة في تأمين المستقبل في عالم لا يعترف بالاستقرار.
هذا القلق مفهوم، لكنه لا يبرر الابتعاد التام عن الاستثمار في الفن ، فالفن، إذا أُدير بعقلية اقتصادية واعية، لا يقل ربحية عن أي نشاط تجاري آخر، بل قد يكون أكثر استدامة وتأثيرا، وإنشاء استوديو تصوير، أو شركة إنتاج، أو دار عرض سينمائي، ليس عملا خيريا، بل مشروعا اقتصاديا يدر أرباحا، ويوفر فرص عمل، ويسهم في تطوير الصناعة التي صنعت نجومية هؤلاء الفنانين من الأساس.
علي الجانب الآخر، كشفت التجربة أن كثيرا من المشروعات التجارية التي اتجه إليها الفنانون، خاصة المطاعم والكافيهات لم تحقق النجاح المتوقع، ودخل بعضهم هذه المجالات بدافع التقليد الأعمي أو الاعتماد علي الاسم والشهرة، دون فهم حقيقي لقواعد الإدارة والتشغيل، ومع الوقت عانوا من الخسارة واضطروا إلي الإغلاق، ليكتشفوا متأخرين أن الشهرة وحدها لا تصنع مشروعا ناجحا.
والمشكلة ليست في حق الفنان في تنويع مصادر دخله، بل في غياب الرؤية الثقافية والاستثمارية ، وحين يستثمر الفنان في الفن، فهو لا يحمي مستقبله فقط، بل يحمي مستقبل الصناعة كلها، ويخلق لنفسه مكانا يتجاوز حدود العمر والشهرة المؤقتة.
وبالتأكيد نحن لا نريد من النجوم أن يضعوا كل أموالهم في الفن، كما فعل بعض فناني الزمن الجميل، وكانت النتيجة معاناتهم من الفقر في نهايات حياتهم، ولكننا نذكرهم كذلك بنماذج ناجحة لفنانات وفنانين، تمكنوا من تحقيق المعادلة الصعبة وحققوا أرباحاً كبيرة من الاستثمار في الإنتاج الفني.