سأله المذيع الصحفي: "هم صياطين (يقصد شياطين) للدرجة دي؟!".. فانجعص وتمدد وأجاب: "لأ دول ُخططين"، فآمَن المذيع علي عبقرية محدثه النبوءاتي، العائد لمريديه ودراويشه من مزرعته عبر إطلالة ريفية (بالجلباب البلدي والصديري)، غالبًا ليبدو مختلفًا عن جيش المحللين الاستراتيجيين الذين تزدحم بهم الفضائيات ، عاد الأخير عبر "يوتيوب" بعد أن انتُزعت منه برامجه الفضائية، ليكرّس مكانته الشعبوية لدي جمهور ليس بقليل، فما زال – للأسف – عشرات الآلاف يتابعونه مخدوعين في تحليلاته الخزعبلية، التي يوظف فيها موهبته في استخدام لغة الجسد والمرادفات العامية.
ودون أن ينظر في بلورة سحرية، شرع العراف يلقي بتحليلاته الزلزالية علي محدثه كأن يقول: "الفولة كانت في أحد أسفار التوراة (عاد ليصحح أنه إصحاح وليس سفرًا)، اللي هو شمشون الجبار، اللي إحنا بنقول عليه في الرواية الشعبية شمشون الجبار.. هو الذي حدث يوم 7 أكتوبر، شمشون أسقط المعبد اللي كان فيه، أو البيت اللي كان فيه بعد ما عملوا اجتماع عشان يعدموه، وهذه نقطة الانطلاق"..
ويسأله المذيع مدهوشًا: "مخطط؟!".. "طبعًا مخطط بدقة، وكان الهدف منها تغيير فلسفة مخطط الهلال السني والهلال الشيعي، لإثبات فشلها، والتحول إلي المخطط الجديد اللي هو فريق الخير وفريق الشر".. وحدد العراف فريق الشر بـ"اليساريين، والتنظيمات الجهادية التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين جميعها، وكل التنظيمات التي خرجت من النظام الشيعي الإيراني"..
ويسأله المذيع: كل ده هيُقضي عليه؟!، فيجيب: "كل ده باي باي".. "وماذا بعد؟!".. يجيب: "فيه حاجة بتتعمل دلوقتي في غاية الخطورة ومحدش واخد باله منها.. الخطة القديمة السابقة كانت وضع دول الشرق الأوسط وقياداتها، رؤسائها يعني، في حاجة اسمها القلق، ده كان بيتعمل في الدول العربية كتير يعني، أيام نظام مبارك، في السعودية، الإمارات.. اللعب.. يعني شوية يضغط وشوية يسيب"، ثم تمضي برهة من الصمت وفاصل من الحركات التشويقية، بعدها ينطق العراف: "يتم تنفيذ الموضوع ده دلوقتي في القارة العجوز، في أوروبا، كل قيادات أوروبا في وضع علي الجمر، كله قلقان.. ليه قلقان؟!.. عشان كله ييجي ورا الراس ورا الأمريكان.. عشان يلحم حلف الناتو لحام شديد القوة.. عشان التصدي لفريق الشر".. ويؤكد العراف أن "مخطط اللحام" هذا بدأ مع آخر الحرب الأوكرانية ، كاشفًا أن أوكرانيا هذه إحدي الدول التي شهدت الثورات الملونة (شوف إزاي!!).. ما سبق عينة من كلام العراف، وأسألكم أن تعودوا لقراءته، وسوف تكتشفون أنه لم يأت بجديد في هذا الفاصل الدرامي، أو قل في طبق "الفتة الاستراتيجية" هذا وقوامه التحليل الحلمنتيشي التنبؤي، ومكوناته:
(شرق وغرب، علي شيعة وسنة، علي أيديولوجية ومخططات معجونة في مؤامرة بطعم "مرقة" التاريخ)، وهي وصفة تنتج طعامًا يوجع البطن ولا يغذي العقل، لكن للأسف يقبل عليه جوعي الطعام الصحي، الذين يفتقدون من يحدثهم ويفهمهم من نخب تملك علمًا حقيقيًا ومعلومات متجددة، ولديها قدرة علي توظيف ما تملك للتنبؤ اتساقا مع علم "الفيوتشرولوجي" وليس "الفِشَر لوجي" الذي يقدمه أبو جلابية طوبي.
أما المذيع الصحفي، وهو رئيس تحرير أسبق لصحيفة ساهمت في وقت من أوقات الوطن العصيبة بدور كبير في نشر الفوضي، وسبق أن قدم برامج علي الفضائيات انتُزعت أيضًا منه، فعاد ليلعب دورًا أشبه بالمعارض، وانتهي به المطاف يسعي لاستغلال شعبية العراف ليظهر إلي جواره ويكسب قرشين، ولأن المساحة لا تسع زيادة، أقول للزميل: "عيب علي الأقل احترم المخدوعين فيك".