ما بين دولة المدينة المنورة وجمهورية أفلاطون ؛ قرون قدمت للبشرية مفاهيم ونماذج مختلفة عن شكل الدولة المُتصور والذي غرق في ارتباكات مفاهيمية كانت ومازالت تقود بين فترة وأخرى نحو صدامات يتمترس خلفها مؤيدون ومعارضون؛لنماذج قامت من جهة على الفكر الديني الجامع بين السياسة والعقيدة ؛ وأخرى على الفكر المدني الذي ربما بدأ معرفيًا بنقاشات أفلاطون و شيشرون و أطّر له أرسطو مرورًا بجان جاك روسو، وتوماس هوبز، وجون لوك؛ الذين خلصوا - رغم الاختلاف- إلى ما وصفوه بحتمية (العقد الاجتماعي).
إن أخطر ما يقوض المجتمعات وفق جل الأطروحات الفكرية والفلسفية والدينية على اختلاف نماذجها هو عدم الانخراط في عقد جمعي يحمي شكل المجتمع من الانهيار .
وإسقاطًا هنا على منطقة الشرق الاوسط فيبدو أن غياب فلاسفة ومفكرين مؤثرين قادرين على تشريح هذه النماذج ترك مفاهيمها الوطنية في حالاتها الصدامية؛ إضافة إلى أدلجة بعض خطابات الطرح الإعلامي الإقليمي الذي يُغيّب حقيقةً أهمية أن يكون وسيلة إيجابية ناجزة في تشكيل الوعي الجمعي؛ حيال أن الفرد بحاجة إلى قانون قوي جامع يُعلي من شأن الجماعة؛ وينتقل بها من حالة الفوضى إلى صورة الدولة المتماسكة ذات الحدود والحكومية الموحدة؛ عقّد من جهود بعض القيادات الإقليمية في نقل تصوراتها حيال ضرورة الحفاظ على هذه الصورة وتعزيزها؛ بعيدًا عن المعادلات الصفرية والاستقطابية ذات المردود الخطير ؛ وقاد للأسف نحو نماذج أحدثت ومازالت اضطرابات قد تطال الإقليم في عمومه.
لقد عكست الأزمات المتلاحقة في العراق و سوريا و لبنان وليبيا و السودان واليمن الكثير من الأخطاء المهددة لبقاء الدولة المستقرة؛ وقدمت نماذج متشابهة حد التناسخ في أن الخطر الحقيقي على بقاء صورة الدولة هو محاولات القفز إلى الخلف و اجتزاء منطقة عن أخرى بزعم أنها تتمتع بثراء أكبر وسط مناطق اخرى فقيرة في ذات القطر ؛ أو الانفصال بمكان بزعم أن سكانه يعتنقون مذهبًا أو دينا مغايرًا لباقي ما يعتنقه المجموع من حولهم؛ أو أنهم من عِرق لا ينسجم مع الحدود الوطنية داخل الدولة الموحدة؛ والغريب أن من يحاول إيضاح هذه المخاطر يتعرض في كل وقت وكل جغرافية إقليمية مهما اختلفت إلى حالات من الاستهداف والاغتيال المعنوي؛ أيًا كان رئيسًا أو مواطنًا؛ وكأنه استسهال مميت لتقديم حلول أقرب للهروب ؛ بدلًا من التصدي لمبررات الاجتزاء أو ما اتفق على تسميته انفصالًا ؛ بدلًا من مواجهة مشكلة تنمية باقي السكان في الأطر الحدودية للدولة الواحدة.
إن محاولات الاجتزاء لتشكيل دولة ناجحة في المفهوم النظري باللجوء السهل لتجاوز غياب القدرة على تحقيق التنمية في باقي مناطق الدولة وهو الخيار الأصعب؛ أو الفشل في دمج المكون المختلف مذهبيا أو دينيًا أو عرقيًا مع باقي المكونات المُشكلة للدولة الواحدة؛ هو خطأ في الفكر بداية؛ يشرّع لمفهوم خطير تتفتت فيه الدول بالمزاعم آنفة الذكر؛ وهو ما يؤكد إننا أمام معضلة مفزعة؛ في رؤية مفهوم استقرار الدولة ؛ تكمن في التعامل مع الإشكالات الاقتصادية أو العقدية أو العرقية بانتقائية ؛ وتغييب النظرة الشمولية لماهية الدولة ؛ حيث تُعلي مثل هكذا انتقائيات النزعات الفردية بالاستقلال وسط المكون الذي يتماهى مع انتماءاته؛ فيصبح الإشكال مبررًا لأخطاء فردية تغذيها الندرة ؛ وتبزغ حالات تقود حتمًا نحو اقتتال وصراع يدفع ثمنه كل مكونات الدولة الواحدة.
إن العقل الجمعي العربي وبكل أسف سقط في حالة من السيولة الصدامية في تفسير وإدراك أهمية استقرار الدولة ؛ وهي حالة تتغلغل ملامحها في فكر جيل كامل نشأ وسط تمزقات داخلية في دول كانت تمثل مرجعًا تاريخيًا في ترسيخ التراكمات المعرفية حيال صورة الدولة القوية؛ تجاوزت فيها لقرون كل الانحيازات الطائفية و الفئوية؛ وانتقلت من حالة الثبات والاتساق مع الدولة الموحدة المستقرة؛ إلى حالة عدم الاكتراث بها ؛ والإلغاء وإعلاء صورة اللا دولة؛ في عوار تاريخي ندفع ثمنًا فادحًا له الآن في كثير من الملفات المحيطة بنا؛ التي تتضارب فيها التعريفات الإقناعية للأطراف الفاعلة ذات القرار الفعلي على الأرض؛ وهو تضارب خطير يسوق أطرافه نحو اندفاعات عاطفية تُغيب عمدًا أو جهلًا أهمية أن تحيا وسط دولة متماسكة ثابتة ذات حدود واضحة ومحددة ؛ كمقدس حام لمكوناتها.
إن هذا العوار يستدعي بالضرورة العودة وبعمق نحو فهم أسس وقواعد بناء وبقاء الدولة؛ سواءً في مفاهيمها الإسلامية التي نجحت في إنشاء امبراطوريات متعاقبة مترامية الأطراف متماسكة في أهدافها ومحافظة على ثباتها؛ حتى لا تقفز عليها جماعات تبرر إرهابها بغياب هذا النموذج؛ أو في مفاهيمها المدنية حتى لا يستغل غيابها تيارات تعلي من مصالحها الشخصية على حساب مصلحة الدولة في عمومها؛ وهو ما يتطلب مزيدًا من الاهتمام الفكري والديني والإعلامي بتقديم خطابات قادرة بالفعل على إعادة تشكيل الوعي الإيجابي ؛ وطرح الأطر الفلسفية والقانونية بصورة مبسطة وميسرة؛ حتى لا يُختطف جيل جديد يفقد بسببه الروابط المصيرية لتقدمه والحفاظ على استقرار الدولة الحاضنة الآمنة لبقاءه ونهضته.