يرجح العلماء أن سلالة آدم (المخلوق البشرى) بعد نزولها على الأرض، ظلت 100 ألف عام تتواصل فيما بينها بلغة الإشارة قبل أن تنطق كلاما مفهوما، وبعد 100 ألف عام أخرى - تقريبا - وصلت إلى مرحلة الكتابة، لكنها اختصرت المدة بعد ذلك إلى 5500 عام لتصل إلى اختراع الطباعة من خلال الألمانى يوحنا جوتنبرج، الذى عاش فى القرن الخامس عشر واخترع الطباعة بالحروف المتحركة، وبعدها بـ 550 عاما عرف البشر الإنترنت ، وتم اختراع شبكة الويب العالمية (WWW) عام 1989، لتمثل قفزة لم تكن مجرد تطور تقني، بل كانت انقلابًا فى طريقة تفكير الناس، وإنتاج المعرفة، وإدارة العالم.
والآن تعيش البشرية مرحلة الذكاء الاصطناعي ، الذى لم يصلنا منه إلا قليلا، ربوتات الدردشة، أو ما شابه ذلك، و الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة بحث، بل صار الآن فى الغرب شريكًا فى إنتاج المعرفة عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات بشكل تلقائي.
وفى القادم القريب من الأيام سوف يظهر جيل جديد من الآلات الذكية القادرة على تفسير البيانات وتقديم رؤى علمية بصيغ مفهومة للبشر، وسوف تعتمد هذه الرؤى على المعرفة التنبؤية والتخطيط الاستراتيجي، وسوف يتم استخدام النماذج التنبؤية تلك فى اتخاذ القرار على مستوى الدول والحكومات والأفراد، ومن خلالها سوف يتم التنبؤ والتوقع للأزمات الاقتصادية، الصحية، الاجتماعية والبيئية بشكل أكثر دقة وذلك بفضل ترابط البيانات الضخمة وتقنيات التعلّم الآلي.
الشاهد أن البشرية تعيش - الآن - مرحلة زمنية لم تعد فيها المعرفة ترفًا ثقافيًا أو مادة للنخبة، بل تحولت إلى مصدر قوة حقيقية تُدار بها الدول، وتُحسم بها الصراعات، ويُعاد بها تشكيل النفوذ العالمي، ومن لا يمتلك المعرفة اليوم، لن يمتلك قراره غدًا.. هذا ما أدركته الدول والشعوب المتقدمة، فأين نقف نحن فى عالمنا العربى مما سبق؟
المفارقة الصادمة أن عالمنا العربي، لم يبرح موقع المتفرج المنبهر، والمتلقي المندهش، الذى رضى بأن يستهلك المعرفة المتقادمة، كما يستهلك أسلحة الغرب العسكرية والسلع المعمرة، ودون أن يشارك بجدية فى صناعتها أو فى رسم ملامح مستقبلها.
ومع دخولنا الربع الثانى من القرن الواحد والعشرين، للأسف لم أصادف مؤسسة علمية عربية أو مصرية، ولا مركزًا للبحوث، ولا حتى برنامجا إعلاميا على شاشات الفضائيات، قدم للجمهور تصوّرًا علميا معلوماتيا رصينا يرصد صورة كلية للمستقبل، أو ما يمكن أن يشهده العالم فى القادم من السنوات والعقود من تطورات فى مجالات المعرفة وتقنيات المعلومات، انطلاقا من الاتجاهات الحالية والتوقعات البحثية العالمية.
والحقيقة أنه لم يعد يكفى إدراك أن المعرفة لم تعد خيارًا، ولكن أيضا علينا التأكد أنه خلال الـ25 عامًا القادمة - على الأقل - لن يُدار العالم فقط بالقوة العسكرية، ولا بحجم الاقتصاد، ولكن أيضا بمن يمتلك المعرفة، ومن يستطيع تحويل هذه المعرفة إلى قرار وتأثير ورؤية، وأن نعى جيدًا أن التحدى الحقيقى ليس فقط فى امتلاك التكنولوجيا، ولكن أن نقارنها بالوعى، وأن نضع الإنسان والقيم الإنسانية فى القلب من سعينا إلى التغيير، حتى لا تتحول المعرفة من أداة تحرر للإنسانية، إلى وسيلة جديدة للهيمنة والسيطرة.
ونكرر قبل المغادرة أن المعرفة أصبحت مسألة بقاء، وأنه إما أن ندخل هذا العصر كفاعلين، أو نُدفع خارجه ونعيش على الهامش، عالة.