«الصبر» الاستراتيجي.. وحلم «العودة»

«الصبر» الاستراتيجي.. وحلم «العودة»سعيد صلاح

الرأى8-2-2026 | 14:53

لا أعلم كيف كان حال هؤلاء المطاريد ومن شابههم خاصة الذين فى تركيا وهم يرون تفاصيل هذا المشهد.. أعتقد أنهم كانوا يحتاجون إلى مياه ملء «نهر إرماك» حتى تخمد تلك النار التى كانت تشتعل فيهم وقتها.. ذلك المشهد الذى أقصد هو المشهد الذى احتضنته حديقة قصر الاتحادية ، فبينما كان السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي يرافق ضيفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فى جولة بالسيارة الكهربائية «هدية الصداقة»، لم تكن فقط العجلات تتحرك فوق أسفلت القاهرة فحسب، بل كانت تطوى صفحات عقدٍ من الجفاء لتفتح فصلاً جديدًا من فصول التاريخ السياسي للشرق الأوسط، وفى نفس الوقت تشعل تلك النار فى تلك النفوس المريضة ذات النوايا الخبيثة والأهداف الشريرة .
زيارة الرئيس أردوغان للقاهرة الأسبوع الماضى للمشاركة فى الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، ليست مجرد حدث دبلوماسى بروتوكولى، بل هى إعلان صريح عن ولادة «محور استقرار» جديد، يعيد تشكيل التوازنات فى منطقة تموج بالاضطرابات.
تثبت الدولة المصرية يومًا بعد يوم قدرة فائقة على إدارة علاقاتها الدولية بمبدأ «الاتزان الاستراتيجى»، هذا المبدأ الذى لا يقوم على الانفعال أو رد الفعل، بل على حسابات دقيقة للمصالح القومية العليا، فلقد استطاعت القاهرة، بهدوئها المعهود و«صبرها الاستراتيجى»، أن تحول الخلافات السابقة مع أنقرة إلى «شراكة ضرورة» ثم إلى «تحالف بناء».
وأعتقد أن نجاح مصر فى إدارة هذا الملف يعود إلى تمسكها بمجموعة من الثوابت المهمة منها عدم التدخل فى الشئون الداخلية، واحترام سيادة الدول، والبحث عن المشتركات الاقتصادية كقاطرة للسياسة، واليوم، نرى ثمار ذلك فى بلوغ التبادل التجاري بين القاهرة وأنقرة نحو 9 مليارات دولار، مع طموح مشروع للوصول إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، مما جعل تركيا الشريك التجارى الأول لمصر فى إفريقيا.
لا يمكن قراءة التقارب المصرى التركى بمعزل عن المحور الثلاثى الذى يضم المملكة العربية السعودية، نحن أمام مثلث قوة (القاهرة، أنقرة، الرياض) يمثل الثقل السكانى، العسكرى، والاقتصادى الأكبر فى المنطقة، هذا التكامل ليس موجهًا ضد أحد، بل هو «حائط صد» أمام مشروعات الفوضى والتدخلات الخارجية.
إن التنسيق بين هذه العواصم الثلاث يمنح المنطقة «مظلة أمنية» قادرة على التأثير فى ملفات كانت لسنوات ساحة للتجاذبات الدولية، عندما تتوافق رؤى السيسي و أردوغان والقيادة السعودية، فإننا نتحدث عن ضبط إيقاع الملاحة فى البحر الأحمر، وتأمين تدفقات الطاقة فى شرق المتوسط، ووضع حد للحروب الأهلية المنزفة، وكثير من الملفات الملتهبة، من غزة إلى الصومال.
لقد جاء «الإعلان المشترك» ليرسم خارطة طريق واضحة للتعامل مع بؤر الصراع، المتعددة بالمنطقة، ففى فلسطين وغزة، برز التوافق المصرى التركى فى دعم «خطة الرئيس ترامب» لإنهاء الحرب، مع التشديد على الانسحاب الإسرائيلى الكامل وضرورة عودة السلطة الفلسطينية لإدارة القطاع، والتأكيد على فتح معبر رفح ورفض الممارسات الأحادية، أما ليبيا والسودان، فقد توافق الزعيمان على ضرورة «الحل الليبى- الليبى» وخروج المرتزقة، وفى السودان، كان النداء قويًا لوقف إطلاق النار والحفاظ على المؤسسات الوطنية، وهو ما يقطع الطريق أمام محاولات تقسيم الدولة السودانية، وفيما يخص سوريا ولبنان، كان لافتًا الانحياز التام لسيادة سوريا ورفض الانتهاكات الإسرائيلية، مع دعم لبنان فى تنفيذ القرار 1701، مما يؤكد أن القاهرة وأنقرة ترفضان تحويل هذه الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
ولم تنسَ المباحثات المشتركة وكذلك الإعلان المشترك بين القاهرة وأنقرة «القرن الإفريقى والصومال»، فقد وجهت القمة رسالة حاسمة بضرورة احترام وحدة وسيادة الصومال، وهو موقف استراتيجى مصرى بامتياز يرتبط بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، ووجد فى أنقرة شريكًا قويًا يشاركها ذات الرؤية.
أما ملف «شرق المتوسط» والذى كان يومًا ما نقطة خلاف، غلبت فيه لغة المصالح والتعاون الفنى وأثبت الوقت أن التكامل هو الحل، وفيما يخص «نهر النيل»، كان اعتراف الجانب التركى بالأهمية الحيوية للنيل بالنسبة لمصر، والاتفاق على التعاون بمثابة دعم سياسى وفنى مهم للقاهرة فى معركتها الوجودية للحفاظ على أمنها المائى.
ومن تابع منتدى الأعمال المصرى التركى، واستمع إلى حديث الرئيس السيسي بلغة الأرقام، عندما أشار إلى استثمارات تركية تتجاوز 4 مليارات دولار، وانتبه إلى دعوة الرئيس لتوطين صناعة السيارات والكيماويات وبناء شراكات لوجستية تربط الموانئ المصرية بالأسواق العالمية، سيعى سريعًا أن هذه العلاقة أصبحت «علاقة شعوب ومصالح» وليست مجرد تفاهمات بين قادة، وإن ضخ مصر مليارات الدولارات فى البنية التحتية منذ 2014 لم يكن دون تخطيط، بل كان تجهيزًا لتكون مصر المركز اللوجستى العالمى الذى تنطلق منه الاستثمارات المشتركة نحو إفريقيا وأوروبا.
إن متابعة التطورات المتلاحقة فى العلاقات المصرية التركية على مدار السنوات القليلة الماضية تفضى حتمًا إلى استيعاب أن تحركات الدولة المصرية بقيادة السيد الرئيس السيسي تنطلق من منطلق القوة والوعى، وإن إدارة العلاقة مع تركيا بهذا الرقى والدقة، مع الحفاظ على عمق العلاقات مع الأشقاء العرب، هو إنجاز دبلوماسى يحمى الأمن القومى المصرى فى دوائره العربية والإفريقية والمتوسطية، فلقد أكدت قمة القاهرة بين الرئيس السيسي والرئيس أردوغان، على أهمية «الصبر الاستراتنيجى» فى إدارة العلاقات بين الدول الكبرى، وأثبتت أن «الواقعية السياسية» حين تمتزج بالرؤية التاريخية، يمكنها أن تصنع المعجزات.

بينما تتزاحم المشاعر عند أسوار معبر رفح، وتتشابك أيادى العائدين بتراب غزة الذى ما خان موعده قط، يقف التاريخ وقفة إجلال ليسجل فصلاً جديدًا من فصول العروبة الحقة، إن مشاهد العودة التى نراها اليوم ليست مجرد عبور جغرافى، بل هى انتصار لـ «مفتاح العودة» الذى لم يصدأ فى قلوب الفلسطينيين، وتتويج لثبات مصرى لم يلن أمام عواصف السياسة وأهوال الحروب.
لطالما كانت القاهرة هى الرئة التى يتنفس منها الحق الفلسطينى، والقلب النابض بالدفاع عن ثوابت هذه القضية، ومنذ اللحظة الأولى، رسمت القيادة المصرية خطوطًا حمراء لم تكن مجرد شعارات سياسية، بل كانت جدارًا منيعًا تحطمت عليه أوهام «التهجير القسرى»، مصر، بوعيها القومى العميق، أدركت أن تصفية القضية بتهجير أصحاب الأرض هو خطيئة تاريخية لن تسمح بوقوعها، مؤكدة أن «الأرض لأصحابها»، وأن الحل يكمن فى البقاء لا فى الشتات.
لم تكن إدارة مصر لملف غزة الملتهب عملاً عابرًا، بل كانت سيمفونية معقدة من الدبلوماسية الرصينة والسياسة الصارمة، فقد استطاعت الدولة المصرية أن توفق بين دورها كراعية للسلام وكشقيقة كبرى تحمى ظهر الفلسطينيين، رافضة أى مساس بحدودها أو بسيادة جيرانها، ومفشلة لكافة المخططات التى استهدفت اقتلاع الفلسطينى من جذوره وتشريده فى بقاع الأرض من جديد.
إن مشهد الفلسطينى وهو يحمل متاعه البسيط عائدًا إلى بيته المهدم، أو ما تبقى من ذكرياته، هو تجسيد حى للأسطورة الفلسطينية الخالدة، ويؤكد أن «العودة» ليست مجرد قرار دولى ننتظره، بل هى عقيدة تورث من الجد إلى الحفيد، وهنا، تجلى الدور المصرى فى كونه الجسر الذى عبر عليه هؤلاء الأبطال نحو ديارهم، معززين فكرة أن الحق لا يموت ما دام وراءه مُطالب، وما دامت مصر تقف بصلابتها المعهودة سدًا منيعًا ضد محاولات تذويب القضية.
لقد برهنت مصر، بجيشها وشعبها وقيادتها، أنها لا تتاجر بالآلام، بل تداوي الجراح بالأفعال، واليوم، ونحن نرى المعبر يفتح ذراعيه للعائدين، نستشعر تلك النبرة العروبية الشجية التي تقول للكون أجمع: «غزة باقية، والقدس بوصلة، ومصر كانت وستظل الحارس الأمين لحلم «العودة».

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان