تمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر محطة فارقة فى مسار العلاقات الثنائية، وتعكس إدراكًا مشتركًا من قيادتي البلدين لأهمية هذا التوقيت الدقيق الذي تشهد فيه المنطقة أزمات وصراعات متشابكة، وما تفرضه من ضرورة تنسيق إقليمي مسئول بين القوى الرئيسية فى الشرق الأوسط، وحملت الزيارة مكاسب سياسية واقتصادية مباشرة، أبرزها تعزيز التنسيق المصري - التركي فى الملفات الإقليمية الساخنة، بما يدعم جهود خفض التصعيد، ويُرسخ منطق الحلول السياسية، ويحافظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها، بجانب تأسيس شراكة تنموية حقيقية بين مصر وتركيا تقوم على التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الاستثمارات المتبادلة.
استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة انتصار السيسي، قرينة السيد رئيس الجمهورية، الرئيس رجب طيب أردوغان ، رئيس الجمهورية التركية، وقرينته السيدة أمينة أردوغان.
وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن لقاءً ثنائيًا قد عُقد بين السيد الرئيس والرئيس أردوغان، أعقبه ترؤس الزعيمين الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، حيث تناول الاجتماع تطورات العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها فى مختلف المجالات، ولا سيما فى مجالي التجارة والاستثمار، إضافة إلى بحث مستجدات القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفى مقدمتها الوضع فى قطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط، وكذلك الأوضاع فى السودان والصومال ومنطقة القرن الإفريقي.
كما أوضح المتحدث الرسمي أنه عقب المباحثات، وقع الرئيسان على البيان المشترك للاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، كما تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين فى المجالات العسكرية، التجارة والاستثمار، الأدوية والمستلزمات الطبية، الحماية الاجتماعية، الشباب والرياضة، والحجر النباتي والخدمات البيطرية.
وفى كلمته خلال المؤتمر الصحفي المشترك، قال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إن هذه الزيارة المهمة تأتي عقب الاحتفال العام الماضي، بمئوية العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتركيا، اللتين يجمعهما تاريخ طويل، وأواصر أخوة راسخة.
وأضاف السيد الرئيس: إننا نعتز كثيرًا بعلاقاتنا مع تركيا ، التي يتقاطع جزء من تاريخها؛ مع تاريخ مصر، وقد حرص كل من البلدين، عبر عقود طويلة، على ترسيخ مبادئ السلام والتعايش المشترك، وهو ما أسهم فى تعزيز التعاون الثنائي، وتوج بتدشين مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، الذي عقدنا اجتماعه الثاني، تأكيدًا لعزمنا المشترك، على المضي قدمًا فى توطيد أطر التعاون، فى مختلف المجالات.
كما عقدت وأخي الرئيس أردوغان ، مباحثات بناءة، تناولنا خلالها التطور الإيجابي لمسار التعاون الثنائي، منذ الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي فى “أنقرة”، فى سبتمبر 2024 ، وكذلك نتائج الاجتماع الأول لمجموعة التخطيط المشتركة، برئاسة وزيري خارجية البلدين، فى نوفمبر 2025 .
وقد أكدنا؛ ضرورة مواصلة تطوير وتعزيز التعاون البناء، بين مصر وتركيا بشكل مطرد، خلال المرحلة المقبلة، ووجهنا بتكثيف جهود المؤسسات فى بلدينا، لتحقيق هذا الهدف.
وناقشنا أيضًا؛ سبل تعزيز التبادل التجاري، الذي بلغ نحو “٩” مليارات دولار، مما يجعل مصر، الشريك التجاري الأول لتركيا فى القارة الإفريقية، فيما تحتل تركيا مكانة متقدمة، بين الدول الأكثر استقبالًا للصادرات المصرية.
وقد أكدنا ضرورة العمل، على رفع حجم التبادل التجاري إلى “١٥” مليار دولار، وإزالة أي معوقات أمام تحقيق هذا الهدف، فضلًا عن تعزيز الاستثمارات، وكل أوجه التعاون الاقتصادي.
ونأمل أن يسهم منتدى الأعمال المنعقد اليوم، بمشاركة واسعة من رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، فيدفع هذا المسار قدمًا، وقد تم توقيع عدد من مذكرات التفاهم، فى مجالات مختلفة.
حلول سياسية مستدامة
وتابع السيد الرئيس: فى ظل ما تشهده منطقتنا من أزمات متسارعة، واضطرابات غير مسبوقة، أصبح واضحًا أن أمن الإقليم واستقراره، مسئولية جماعية، تتطلب تنسيقًا أوثق، وتعاونًا أعمق بين دول المنطقة، للتوصل إلى حلول سياسية مستدامة، تعالج جذور الأزمات، حلول تقوم على دعم المؤسسات الوطنية، باعتبارها عماد الأمن والاستقرار، وضمانة لمسارات التنمية، بعيدًا عن التدخل فى الشئون الداخلية للدول.
وفى هذا السياق؛ تباحثت مع الرئيس “أردوغان”، حول آخر التطورات فى قطاع غزة، عقب نجاح جهود مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة، فى التوصل إلى اتفاق “شرم الشيخ” لوقف الحرب.
وقد أشدنا بجهود الرئيس “ترامب” فى هذا الشأن، واتفقنا على أهمية تنفيذ الاتفاق بمراحله المختلفة، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم “٢٨٠٣”، بما يشمل إيصال المساعدات الإنسانية، ومنع تجدد التصعيد.
وأكدنا على ثوابتنا، المتمثلة فى ضرورة تحقيق حل الدولتين، بإقامة الدولة الفلسطينية وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، وحشد الجهود الدولية لدعم التعافى المبكر وإعادة الإعمار.
كما شددنا على رفض أي محاولات، للالتفاف على تنفيذ خطة الرئيس “ترامب” للسلام أو تعطيلها، ورفض المساس بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وضرورة وقف كل الممارسات الأحادية فى الأراضي المحتلة، بما فيها التوسعات الاستيطانية فى الضفة الغربية، وانتهاك الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات فى “القدس”.
دعم الاستقرار
وأضاف السيد الرئيس: كانت الأزمة السودانية حاضرة فى مباحثاتنا، حيث اتفقنا على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية، تفضي إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق مسار سياسي شامل، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، دعمًا لاستعادة الاستقرار والسلام.
وقد أطلعت الرئيس “أردوغان”، على الاتصالات والجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مصر، للحفاظ على وحدة وسلامة السودان الشقيق.
كما تناولنا ملفات إفريقية مهمة، خاصة فى القرن الإفريقي والساحل، وأكدنا أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة الصومال، ورفض أي محاولات لتقسيمه.
وتباحثنا كذلك؛ حول الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار فى ليبيا، حيث توافقنا على دعم المسار الأممي للتسوية، جنبًا إلى جنب مع الحل “الليبي – الليبي”، واحترام دور المؤسسات الوطنية.
وأكدت تطلع مصر، لإنهاء الانقسام فى السلطة التنفيذية، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، مع ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، بما يحفظ وحدتها وسيادتها.
كما ناقشنا آخر التطورات فى سوريا، وأكدت دعم مصر الكامل، لوحدة وسيادة سوريا، ورحبنا بالاتفاق الموقع مؤخرًا، بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، الذي نأمل أن يسهم فى الحفاظ على وحدة البلاد، وضمان حقوق مختلف المكونات الوطنية.
كما تناولت مع أخي فخامة الرئيس؛ الجهود المخلصة والصادقة، التي تقوم بها مصر وتركيا، من أجل خفض التصعيد فى المنطقة، ودفع الحلول الدبلوماسية وإبعاد شبح الحرب، سواء فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، أو فيما يتعلق بالمنطقة بشكل عام.
وتطرقنا أيضًا؛ إلى التحديات الدولية الراهنة، وخاصة التداعيات الاقتصادية للأزمة الأوكرانية على الدول النامية، حيث شددنا على أهمية ضمان الأمن الغذائي وأمن الطاقة الدوليين.
وقد عكست مباحثاتنا، تقاربًا واضحًا فى الرؤى بين مصر وتركيا، إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، واتفقنا على مواصلة التشاور والتنسيق، لتعزيز تعاوننا المشترك فى كل المجالات، ونتطلع إلى عقد الاجتماع الثالث، لمجلس التعاون الاستراتيجي، فى “أنقرة” عام ٢٠٢٨.
منتدى الأعمال
وفى كلمته خلال منتدى الأعمال المصري – التركي قال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إن العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا تقوم على أسس راسخة وعملية، حيث أسهمت مقومات التكامل الاقتصادي الكبير بين بلدينا، إلى جانب التقارب الجغرافى والثقافى، وتوافر الإرادة السياسية وإرادة مجتمع الأعمال، فى بلوغ مستويات غير مسبوقة من التعاون التجاري والاستثماري. فقد وصل حجم التبادل التجاري إلى نحو ٩ مليارات دولار، ونطمح لزيادته إلى ١٥ مليار دولار، مما جعل مصر الشريك التجاري الأول لتركيا فى أفريقيا، فيما تُعد تركيا من أبرز مقاصد الصادرات المصرية. كما تجاوز حجم الاستثمارات التركية فى مصر ٤ مليارات دولار، وهو إنجاز لم يكن ليتحقق لولا تضافر جهود الحكومات ومجتمع الأعمال معًا، فأنتم شركاء هذا النجاح.
وانطلاقًا من هذا المسار الإيجابي، ومع مرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، فقد أكدت مشاوراتي مع فخامة الرئيس أردوغان وجود توافق كبير على أن آفاق التعاون لم تُستغل بعد بالكامل. وقد اتفقنا على العمل المشترك لزيادة حجم التجارة وجذب المزيد من الاستثمارات التركية، بما يحقق منفعة متبادلة من خلال مشاركة المستثمرين الأتراك فى التنمية الصناعية التي تشهدها مصر فى قطاعات ذات أولوية، مستفيدين فى الوقت ذاته من الإصلاحات الهيكلية التي دخلت على بيئة الاستثمار المصرية، والحوافز المتعددة والمزايا النسبية المرتبطة بالموقع الاستراتيجي والنفاذ للأسواق عبر اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بالعديد من الدول والتجمعات الإقليمية والدولية، فضلًا عن توافر الأيدي العاملة الماهرة.
وأود أن أحيي بصورة خاصة التجربة الناجحة لمستثمري الملابس والمنسوجات الأتراك فى مصر، حيث تمثل مساهمتهم جزءًا مؤثرًا فى صادرات هذا القطاع من مصر إلى الخارج، كما أؤكد ترحيبنا بتوسيع الاستثمارات التركية فى قطاعات أخرى مثل الصناعات الكيماوية والصحية، بما يمثل قيمة مضافة حقيقية ويوفر فرص عمل وينقل خبرات صناعية وتكنولوجية.
الإصلاح الاقتصادي
وتابع السيد الرئيس، لقد نجحت مصر خلال العامين الماضيين فى مواصلة تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، حيث تم الانتهاء من ست مراجعات حتى الآن. وأسفرت السياسات المطبقة عن تحسن ملحوظ فى المؤشرات المالية والنقدية؛ إذ سجل الاقتصاد المصري معدل نمو بلغ ٥.٣٪ خلال الربع الأول من العام المالي ٢٠٢٥-٢٠٢٦، وبلغت استثمارات القطاع الخاص نحو ٦٦٪ من إجمالي الاستثمارات، وهو ما يعكس الأولوية التي توليها الدولة المصرية لدعم القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للتنمية. وقد حظي هذا التوجه بإشادة مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية التي رفعت التصنيف الائتماني لمصر.
وتابع السيد الرئيس: إن التطورات العالمية الراهنة تفرض ضرورة تعميق مفهوم توطين سلاسل الإمداد والاقتراب من الأسواق، وهو ما يفتح المجال أمام الشراكة المصرية التركية لبناء منصات إنتاج وتصدير مشتركة، مستفيدة من المزايا اللوجستية والتكامل بين خبرات الصناعة التركية ومقومات النفاذ للأسواق التي تتمتع بها مصر.
ومن هنا تأتي أهمية الجهود التي بذلتها الدولة المصرية فى تطوير البنية التحتية، حيث ضخت منذ عام 2014 استثمارات تجاوزت 550 مليار دولار، شملت تحديث شبكات الطرق، وتطوير قطاعات الطاقة والمياه، وإنشاء المدن الذكية. ولم يكن الهدف من هذا الإنفاق فى البنية الأساسية هو فقط معالجة مشكلات الحاضر، بل كان مبنيًا على رؤية مستقبلية تهدف إلى تهيئة أرض صلبة لبناء اقتصاد حديث ومتنوع وجاذب للاستثمارات.
كما أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بقطاع اللوجستيات، حيث شرعت فى تنفيذ رؤية قومية لتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي عبر تطوير الموانئ التجارية، ومن أبرزها ميناء الإسكندرية، وميناء السخنة الذي يُعد أكبر ميناء محوري على البحر الأحمر، إضافة إلى ميناء شرق بورسعيد الذي صُنّف ضمن أفضل الموانئ كفاءة فى العالم.
تعزيز الاستثمارات
وأضاف السيد الرئيس: انطلاقًا من ذلك، فإنني أدعو مجتمع الأعمال فى البلدين إلى التركيز خلال المرحلة المقبلة على عدة مسارات عملية:
أولًا: تعزيز الاستثمارات الصناعية المشتركة فى المجالات ذات الأولوية والقيمة التكنولوجية العالية مثل صناعة السيارات ومكوناتها، وصناعة الكيماويات والمعادن والأجهزة المنزلية.
ثانيًا: بناء شراكات لوجستية وخطوط نقل بحري ومراكز توزيع إقليمية ترتبط بالموانئ المصرية وتخدم الأسواق المحيطة.
ثالثًا: دفع التعاون فى مجالات التحول الأخضر وكفاءة الطاقة والتصنيع النظيف بما يتماشى مع اتجاهات الأسواق العالمية.
رابعًا: تفعيل آليات التواصل المباشر بين الشركات عبر لقاءات دورية ومجموعات عمل قطاعية لضمان تحويل فرص التعاون إلى عقود ومشروعات قابلة للتنفيذ.
السيدة انتصار السيسي ترافق قرينة الرئيس التركي داخل أروقة المتحف المصري الكبير
قالت السيدة انتصار السيسي، قرينة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي عبر صفحتها على “فيس بوك”: سعدت بمرافقه السيدة أمينة أردوغان، حرم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فى جولة عبر الزمن داخل أروقة المتحف المصري الكبير، الذي يُعد مصدر إلهام للبشرية وشاهدًا على عظمة الإنسان المصري القديم.
الرئيس السيسي يتلقى سيارة كهربائية هدية من الرئيس أردوغان
صرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيس رجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية التركية، أهدى السيد الرئيس سيارة كهربائية، وذلك بمناسبة زيارته الحالية إلى مصر للمشاركة فى الاجتماع الثاني للمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الذي عقد بالقاهرة.
وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي، إلى أن السيد الرئيس قد تفقد السيارة بحديقة قصر الاتحادية، ثم قام سيادته بقيادتها، مصطحبًا الرئيس أردوغان، من قصر الاتحادية حتى مقر انعقاد منتدى الأعمال المصري التركي بفندق الماسة بمدينة نصر.