أحداث فردية كثيرة وقعت أثناء حرب الاستنزاف.. قد لا يعرفها الكثيرون من الأجيال المتعاقبة.. فأثناء هذه الحرب حين كانت قواتنا تعبر القناة ليلا أو تحت غطاء من نيران المدفعية الكثيفة.. كانت قوات إسرائيل تتكبَد خسائر فادحة فى القوات والمعدات.. قواتنا كانت قادرة على أسر جنود منهم فى وضح النهار.. كانوا ينتقمون بضرب العمق المصري.. بعد أن توفرت لهم طائرات الفانتوم الأحدث (حينها) فى ترسانة السلاح الجوى الأمريكي.. كان عمقنا المصرى مفتوحا أمام طياريهم وطائراتهم فوصلوا إلى أماكن كثيرة.. من بينها القاهرة التى بها منزل الرئيس الراحل عبد الناصر.. أكثر من عقدين من الزمان بعد هذه الحرب.. شاهدْتُ على إحدى قنواتهم مقابلة أجرتها القناة مع الطيار الذى كلّفته قيادة قواتهم الجوية بأن يخترق حاجز الصوت فوق منزل عبد الناصر.. فى محاولة منهم لترويعه وللضغط عليه لكى يوقف هجمات الصاعقة المصرية عليهم فى سيناء.. الطيار اعترف بتلقّى هذه الأوامر وبأنه نفّذها فوق منزل الزعيم المصري.. سألوه وماذا كانت النتيجة؟ أجابهم لا شيء.. لا شيء حدث.. بقى الحال كما هو عليه.. لم يرتدع عبد الناصر بسبب اختراق حاجز الصوت فوق منزله.. ولم ينقل أولاده وأسرته إلى أى مكان آخر أكثر أمنا.
ولعل البدايات الأولى لحرب الاستنزاف تمثّلت فى معركة رأس العش.. وقائع هذه المعركة حدثت فى ليلة الواحد من يوليو 1967 أى بعد أقل من شهر من وقف إطلاق النار.. بعض المؤرخين يرون أن هذه المعركة كانت الشرارة الأولى لحرب الاستنزاف.. فبعد حرب الهزيمة احتلت إسرائيل سيناء كلها إلا نقطة واحدة بقيت غير محتلة.. ظلت بأيادى قواتنا.. هذه البقعة من أرض سيناء الطاهرة كانت مدينة بورفؤاد على الجبهة الشرقية لقناة السويس.. حيث يقابلها على الجهة الغربية مدينة بورسعيد.. حينها أرادت إسرائيل إكمال احتلال سيناء.. فتوجهت بمدرعاتها تحت غطاء جوى كثيف لاحتلال بورفؤاد.. قواتنا المسلحة أرسلت حينها أفراد من قوات الصاعقه المصرية محدودة القدرات والمعدات بسبب ما خسرناه فى الهزيمة.. بعد معارك عنيفة فقدت فيها إسرائيل الكثير من قواتها المدرعة وأفرادها ولم تتمكن من اختراق قوات الصاعقة المصرية.. رغم أنها حاولت اختراقهم مرتين.. فى هذه المعركة تمكنت القيادة المصرية فى سلاح الإشارة بخلق اتصال بين ما يحدث فى الجبهة وبين منزل الزعيم جمال عبد الناصر.. الذى كان يستمع لكل ما يدور على أرض المعركة ويسمع كل محاولات إسرائيل البائسة من خلال مدرعاتها احتلال منطقة رأس العش.. امتنان عبد الناصر وبالغ شكره لأبطال هذه المعركة كان له تأثير بالغ عليهم.. إذ أمر بترقية وتكريم جميع الأبطال الذين اشتركوا فى معركة رأس العش.. نجاح الصاعقة المصرية فى التصدى لجحافل مدرعات العدو نتج عنه مشاعر جياشه لجنودنا على طول الجبهة.. فى يوم 14 و15 من شهر يوليو 1967 أى بعد معركة رأس العش بأقل من أسبوعين قامت مقاتلات من قواتنا الجوية التى كانت تحت قيادة الفريق مدكور أبو العز.. القائد الجديد للقوات الجوية (حينها) بتنفيذ طلعات هجومية اتسمت بالجرأة والشجاعة ضد قوات إسرائيل فى سيناء.. نتيجة لهذه الطلعات كانت الخسائر الإسرائيلية فادحة.. حتى أن البعض من مؤرخيهم يرون أن هذه المعارك الجوية أدت إلى هروب بعض من أفراد قواتهم بعيدا عن مواقعهم.. بالإضافة إلى ذلك نفذت طائراتنا الحربية معركة جوية دارت فوق خليج السويس أسفرت عن سقوط أربع مقاتلات من طراز ميراج فرنسية الصنع.. عادت طائراتنا من دون أى إصابات تذكر.. هكذا عادت روح القتال والثقة فى النفس لدى طيارينا.. كل هذا رفع من معنويات أفراد الأسلحة الأخرى فى الجيش.. فى يوم 20 سبتمبر 1967 تمكنت قواتنا من تدمير تسع دبابات إسرائيلية وأصابت دبابات أخرى تعطلت أو أصيبت إصابة مباشرة.. فى يوم 21 أكتوبر 1967 تمكنت زوارق صاروخية من البحرية المصرية من تدمير المدمرة إيلات فى منطقة شمال شرق بورسعيد.. كان ذلك فى الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر وبعدها بساعتين تمكنت القوات البحرية.. من تدمير المدمرة يافا.. هذه المعركة كانت أول استخدام للصواريخ سطح سطح.. مع العلم بأن هاتين المدمرتين كانتا على درجة عالية من الأهمية فى سلاح البحرية الإسرائيلية.. خسائرهم فى الأرواح كانت أيضا فادحة.. مما دفع إسرائيل لاستئذان مصر عن طريق الأمم المتحدة لكى تسمح لها قواتنا بالبحث عن القتلى والغرقى فى منطقة التدمير.. داخل مياهنا الإقليمية شمال بورسعيد.. استمر الإسرائيليون فى عمليات البحث والانقاذ لأكثر من يومين بعد أن سمحت لهم مصر بذلك.. وكرد لجميل مصر حين سمحت لهم بالبحث عن غرقاهم أو عن أى ناجين منهم.. قصفت القوات الجوية والمدفعية الإسرائيلية معامل تكرير البترول فى منطقتى السويس والأدبية.. المناوشات على خط الجبهة استمرت حين كانت قوات من الصاعقة المصرية تعبر ليلا إلى الضفة الشرقية لقناة السويس والقيام إما بقتل أو أسر عدد من الجنود والضباط الإسرائيليين.. إلى جانب تدمير مجنزرات ومواقع للعدو.. مما أجبر إسرائيل على إنشاء خط بارليف ثم بنوا فيه نقاطهم الحصينة.. الجدار الرملى كان ارتفاعه ما يزيد على 20 مترا.. نقاطه الحصينة كانت مزودة بالدّشم الأسمنتية مستخدمة قضبان الحديد من خط السكك الحديدية الذى كان يربط القنطرة شرق بالعريش.. قبل احتلال إسرائيل لسيناء.. ابتداءًا من واحد مارس 1969 إلى 8 أغسطس 1970 انطلقت نيران المدفعية المصرية على طول الجبهة لتكبد الإسرائيليين قدرًا كبيرًا من الخسائر فى أعنف اشتباكات للعمليات على الجبهة.. بعد واحدة من هذه العمليات قرّر الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش المصرى أن يزور الجبهة ليطّلِع عن قرب على نتائج هذه المعارك، الموقع الذى زاره كان على بعد 250 متراً فقط من مصادر نيران العدو.. قامت إسرائيل بقصف الموقع حين كان به رئيس الأركان المصرى، الاشتباكات استمرت لمدة ساعة ونصف.. أثناءها انفجرت دانة مدفع بالقرب من موقع الفريق رياض ونتيجة للشظايا وتفريغ الهواء الذى نتج عن الانفجار داخل الموقع.. استشهد الفريق عبد المنعم رياض، الرد المصرى على استشهاده جاء فى عمليه أُطلق عليها عملية لسان التمساح فى 19 إبريل 1969.. أى فى ذكرى الأربعين لاستشهاد جنرال مصر الذهبى - كما أطلق عليه السوفيت - حين قام 60 فردا من قوات الصاعقة المصرية من المجموعة 39 قتال بقيادة المقدم - فى ذلك الوقت - الشهيد إبراهيم الرفاعي، حينها عبروا بحيرة التمساح تحت ستار من نيران المدفعية لتأمينهم ووصلوا إلى الدشمة التى انطلقت منها نيران الغدر وأبادوا كل من فيها ونسفوا المخازن ودمروا 12دبابة و62 عربة مجنزرة وبلغت خسائر العدو 44 قتيلا.. فى ذلك الوقت إسرائيل كانت تضرب العمق المصرى وحاولت ردع عبد الناصر وترويعه.. باختراق حاجز الصوت فوق منزله فى منشية البكرى بالقاهرة لكن الرجل لم يرتدع واستمر فى العيش هو وأولاده بنفس المنزل.
وللحديث بقية