في تطور لافت في مجال الصحة النفسية، كشفت دراسة حديثة أن التمارين البدنية عالية الشدة قد تمثل أداة علاجية فعالة لاضطراب الهلع، متفوقة على جلسات الاسترخاء التقليدية في خفض شدة الأعراض وتقليل عدد النوبات.
ووفقًا لتقرير نشره موقع Everyday Health، فإن فترات قصيرة ومنظمة من التمارين المكثفة أظهرت نتائج ملموسة استمرت لعدة أشهر بعد انتهاء البرنامج العلاجي، ما يعيد النظر في دور الرياضة كعلاج مستقل وليس مجرد نشاط داعم للصحة العامة.
ماذا يحدث أثناء نوبة الهلع؟
ترتبط نوبة الهلع بأعراض جسدية حادة تشمل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرق، والدوار، والشعور بفقدان السيطرة.
غير أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في هذه الأعراض، بل في تفسيرها الكارثي؛ إذ يعتقد المصاب أنها مؤشر خطر وشيك، ما يفاقم الاستجابة الجسدية ويدخله في دائرة مغلقة من الخوف.
العلاج التقليدي بالتعرض الداخلي يهدف إلى كسر هذه الحلقة عبر إحداث تلك الأحاسيس بصورة آمنة، حتى يتعلم الدماغ أنها غير مهددة للحياة.
كيف يحاكي التمرين نوبة الهلع؟
التمارين عالية الكثافة، مثل العدو القصير السريع، ترفع معدل النبض والتنفس وتسبب التعرق والإجهاد العضلي، وهي تغيرات تشبه ما يحدث أثناء نوبة الهلع.
الفارق أن مصدرها في هذه الحالة مفهوم وتحت سيطرة الشخص.
هذا الربط يعيد برمجة الاستجابة النفسية؛ فبدل ارتباط الأعراض بالخطر، ترتبط بالقوة الجسدية والقدرة على التحمل، ما يقلل الحساسية المفرطة تجاه الإشارات الجسدية.
أُجريت الدراسة على يد أطباء بكلية الطب في جامعة ساو باولو في البرازيل، وشملت عشرات البالغين غير النشطين بدنيًا والمشخصين باضطراب الهلع، دون تلقي علاج دوائي خلال فترة البحث.
استمر البرنامج 12 أسبوعًا، وتضمن جلسات منظمة تبدأ بإحماء، يليها مشي متوسط الشدة، ثم دفعات قصيرة جدًا من جهد عالٍ تعقبها فترات استعادة.
وزاد عدد الدفعات المكثفة تدريجيًا على مدار الأسابيع.
ولم تتضمن الجلسات علاجًا نفسيًا لفظيًا تقليديًا، بل اعتمد التأثير العلاجي على التعرض المنضبط والمتكرر للأحاسيس الجسدية.
في المقابل، خضعت مجموعة مقارنة لتدريب استرخاء. ورغم تحسن المجموعتين، سجلت مجموعة التمارين انخفاضًا أكبر في شدة الأعراض وعدد النوبات، مع تراجع ملحوظ في مؤشرات القلق و الاكتئاب خلال المتابعة اللاحقة.
لماذا قد يكون التمرين أكثر تقبلًا؟
بعض تقنيات التعرض التقليدية تعتمد على إحداث الدوار أو تسارع التنفس بطرق قد تبدو غير مريحة.
أما التمرين فيُنظر إليه كنشاط صحي وهادف، ما يعزز التزام المريض ويمنحه إحساسًا بالتحكم.
كما يحفز النشاط البدني إفراز مواد كيميائية عصبية مرتبطة بتحسن المزاج وتنظيم التوتر، مثل الإندورفين والسيروتونين والدوبامين، إضافة إلى تحسين تدفق الدم إلى الدماغ.
ركزت الدراسة على أشخاص غير معتادين على ممارسة الرياضة، لذلك قد تختلف النتائج لدى من يمارسون نشاطًا بدنيًا منتظمًا.
كما اختُبر التمرين كخيار منفرد دون دمجه مع العلاج المعرفي السلوكي أو الأدوية، ما يستدعي أبحاثًا إضافية لفهم أفضل سبل الدمج بين الأساليب العلاجية المختلفة.
ورغم النتائج الإيجابية، لا يُنصح بالبدء ببرنامج مكثف دون إشراف متخصص، إذ قد يسيء بعض المرضى تفسير الأحاسيس الجسدية في البداية.
التنسيق مع معالج نفسي يساهم في تطوير مهارات إعادة تفسير الأفكار السلبية أثناء التمرين.
وتشير المعطيات إلى أن إدخال التمارين عالية الشدة ضمن خطة علاجية موجهة قد يوفر خيارًا منخفض التكلفة وقابلًا للتطبيق على نطاق واسع، خاصة في البيئات التي تعاني من محدودية الوصول إلى خدمات العلاج النفسي المتخصص.