كشفت بيانات سكانية واسعة أن القضاء على عدوى جرثومة المعدة يرتبط بانخفاض ملحوظ في معدلات الإصابة بسرطان المعدة وكذلك الوفيات الناتجة عنه، ليس فقط لدى البالغين في منتصف العمر، بل أيضًا لدى كبار السن، بمن فيهم من تجاوزوا الثمانين عامًا.
ووفقًا لتقرير نشره موقع Medscape، فإن تحليلًا وطنيًا شاملًا في كوريا الجنوبية تابع مئات الآلاف من البالغين الذين تلقوا علاج استئصال الجرثومة، وأظهر تراجعًا واضحًا في نسب الإصابة والوفاة بسرطان المعدة مقارنة بعامة السكان من نفس الفئات العمرية.
جرثومة المعدة ودورها في نشأة السرطان
تُعد جرثومة المعدة (هيليكوباكتر بيلوري) من أكثر أنواع العدوى المزمنة انتشارًا عالميًا، وغالبًا ما تُكتسب في الطفولة.
تستقر البكتيريا في بطانة المعدة، مسببة التهابًا مزمنًا قد يستمر لعقود، ما قد يقود تدريجيًا إلى تغيرات نسيجية ما قبل سرطانية ثم إلى أورام خبيثة لدى بعض الأفراد.
ولا يزال سرطان المعدة من بين أكثر الأورام فتكًا على مستوى العالم، مع مئات الآلاف من الوفيات سنويًا، ما يجعل أي تدخل وقائي يقلل من معدل حدوثه ذا أهمية كبيرة للصحة العامة.
اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات التأمين الصحي الوطني في كوريا الجنوبية، وشملت الدراسة أكثر من 900 ألف شخص بعمر 20 عامًا فأكثر تلقوا علاج استئصال الجرثومة خلال فترة زمنية محددة.
وتمت متابعة المشاركين لما يقرب من 12 عامًا في المتوسط، مع مقارنة معدلات الإصابة والوفاة لديهم بمعدلات السكان العامة المتطابقة في العمر والجنس. كما جرى احتساب نسب الإصابة والوفيات المعيارية لضمان دقة التحليل الإحصائي.
أظهرت النتائج انخفاضًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بسرطان المعدة بدءًا من عمر الثلاثين عامًا.
وفي الفئة العمرية بين 40 و59 عامًا، كان التراجع واضحًا، واستمر الانخفاض لدى من هم في الستينيات والسبعينيات.
واللافت أن الفئة التي تجاوزت السبعين عامًا شهدت انخفاضًا يقارب 50% في معدل الإصابة مقارنة بنظرائهم في عموم السكان.
كما تراجعت معدلات الوفاة المرتبطة بسرطان المعدة عبر مختلف الأعمار التي تلقت العلاج، مع فروق ذات دلالة إحصائية.
حتى لدى من تجاوزوا الثمانين عامًا، ظل الانخفاض في الإصابة والوفاة قائمًا، ما يشير إلى أن التقدم في السن لا يلغي الفائدة المحتملة من العلاج.
تشير المعطيات إلى أن وضع سقف عمري صارم لاستبعاد كبار السن من علاج استئصال الجرثومة قد لا يكون مبررًا علميًا.
فإذا كان المريض قادرًا على تحمل المضادات الحيوية ولا توجد موانع طبية، فقد يستفيد من تقليل خطر السرطان حتى في مراحل عمرية متقدمة.
في المقابل، شدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تعني تأجيل العلاج إلى سن متأخرة، إذ يظل التدخل المبكر أكثر فاعلية، خاصة قبل حدوث تغيرات نسيجية متقدمة في بطانة المعدة.
تعزز الدراسة أهمية تبني استراتيجيات فحص وعلاج على مستوى السكان، خاصة في المناطق ذات المعدلات المرتفعة لانتشار الجرثومة وسرطان المعدة.
ومع ذلك، يظل تقييم المخاطر الفردية لكل مريض أمرًا ضروريًا، نظرًا لاختلاف معدلات الإصابة والانتشار بين الدول والمجتمعات.
وتؤكد هذه النتائج أن القضاء على جرثومة المعدة ليس إجراءً محدود الجدوى في الأعمار الصغيرة فقط، بل يمثل استراتيجية وقائية قد تمتد فوائدها إلى مراحل عمرية متقدمة، مع ضرورة اتخاذ القرار العلاجي بناءً على تقييم طبي دقيق لكل حالة.