تحظى الإصلاحات المالية العامة في سلطنة عُمان بتقدير وإشادة دولية كبيرة من مؤسسات اقتصادية عالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث أدت إلى تحسن سريع في المؤشرات الاقتصادية، خفض الدين العام إلى حوالي 35% من الناتج المحلي، واستبدال الدعم الشامل بدعم موجه. وتتضمن هذه الإصلاحات تنويع الإيرادات عبر ضرائب الشركات والقيمة المضافة، وتستهدف استدامة النمو ضمن رؤية عُمان 2040.
وفي سياق التقديرات الدولية بالإصلاحات المالية العُمانية، جاء تأكيد مجموعة البنك الدولي أن تجربة سلطنة عُمان تُجسّد أهمية استدامة المالية العامة بوصفها عملية مستمرة، لا سيما في الاقتصادات الغنية بالنفط، التي تواجه تحديات دورية ناجمة عن تقلبات أسعار الطاقة، مشددة على أن إدارة الإنفاق خلال فترات ارتفاع الإيرادات والتخطيط طويل الأجل يمثلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

المشروعات العُمانية المعززة للإصلاحات المالية
فقد أوضح البنك الدولي، في تقريره الصادر ضمن أحدث المستجدات الاقتصادية لمنطقة الخليج، أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط عام 2014 شكّل صدمة قوية للمالية العامة في سلطنة عُمان، حيث تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 26% خلال عامين، في ظل ثبات مستويات الإنفاق، ما أدى إلى تراكم العجوزات وارتفاع الدين العام إلى 68% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020، بعد أن كان لا يتجاوز 5% قبل تلك الصدمة.
وفي هذه الآونة، اجتهدت الحكومة العُمانية لإيجاد الحلول الواقعية وطرح الخطط الإستراتيجية لتفادي الآثار المترتبة على ارتفاع العجز المالي، وهنا أشار تقرير البنك الدولي إلى أن عام 2020 مثّل نقطة تحول مع بدء تطبيق خطة المالية العامة متوسطة الأجل، التي استهدفت إصلاح أوضاع المالية العامة ووضع الاقتصاد على مسار مستدام، من خلال ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الإيرادات دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
ولفت التقرير إلى مجموعة من الإجراءات اتخذتها عُمان لاحتواء الإنفاق، حيث تم تجميد التعيينات الحكومية باستثناء الوظائف الحيوية، ما أسهم في خفض فاتورة الأجور العامة من 12% إلى 9% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب إصلاح منظومة دعم الوقود والكهرباء واستبدالها بدعم موجه عبر منظومة الدعم الوطني، بما يضمن كفاءة الاستهداف وحماية الفئات المستحقة. ونتج عن هذه الإجراءات خفض الإنفاق العام بنحو 16%، دون المساس بالخدمات الأساسية.
وعلى صعيد الإيرادات، أشار البنك الدولي إلى تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في عام 2021 على السلع والخدمات، مع إعفاء الضروريات مثل الخدمات الصحية والتعليمية والمواد الغذائية الأساسية. وجاءت هذه الضريبة مكملة لضريبة الإنتاج المفروضة على المنتجات الضارة، ولضريبة دخل الشركات التي حُددت عند 15% بالنسبة لمعظم الشركات، وتطبيق معدل مخفّض قدره 3% على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مما يوفر دعمًا موجّهًا لهذه الشريحة، في حين يُفرض معدل أعلى عند 55% على الشركات العاملة في مجال التنقيب عن النفط والغاز أو إنتاجهما.
وأشاد البنك الدولي بالسياسات العُمانية المستمرة في مجال الإصلاحات المالية، مشيراً إلى أنه مع تحسن أسعار النفط، اختارت سلطنة عُمان توجيه الإيرادات الإضافية نحو سداد الدين العام بدلاً من التوسع في الإنفاق، ما أدى إلى خفض الدين العام إلى نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024.
ووفق تقرير البنك الدولي، سجلت سلطنة عُمان فوائض مالية منذ عام 2022، وهو ما مكّنها من استعادة تصنيفها الائتماني ضمن الفئة الاستثمارية في عام 2024، مدعومًا بتحسن مؤشرات الدين العام وإدارة المالية العامة وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
ولفت البنك الدولي إلى أن نمو الإيرادات غير النفطية ظل محدودًا، إذ لم يتجاوز 1.6% خلال فترة تنفيذ الخطة المالية العامة، مؤكدًا أن تعزيز الإيرادات غير النفطية يمثل عنصرًا أساسيًا للاقتصادات المعتمدة على النفط.
فقد اتخذت سلطنة عُمان خطوات إضافية للنهوض بأجندة تنويع الإيرادات والحد من الاعتماد على النفط، من بينها إصدار "قانون الضريبة التكميلية على الكيانات التابعة للمجموعات متعددة الجنسيات" في عام 2024، بما يتماشى مع القواعد الصادرة من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لتجنب تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح. ومع اعتماد هذا القانون، تُفرض على الشركات متعددة الجنسيات ضريبة بحد أدنى لمعدل الضريبة الفعلي الذي يبلغ 15%، مما يحد من الحوافز والإعفاءات الضريبية.
واستكمالًا لهذا الجهد العُماني المُقدر من قبل المؤسسات الاقتصادية العالمية، تعتزم سلطنة عُمان تطبيق أول ضريبة على الدخل الشخصي في الخليج بحلول عام 2028، بدءًا بنسبة 5% على أصحاب الدخول المرتفعة، ويُنصح البلدان الأخرى الغنية بالموارد بأن تحذو حذو سلطنة عُمان.
وأكد البنك الدولي أن تجربة سلطنة عُمان تثبت أهمية استدامة المالية العامة كعملية مستمرة، وبالنسبة للاقتصادات الغنية بالنفط يشمل ذلك إدارة الإنفاق خلال فترات ارتفاع الإيرادات والتخطيط لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
فقد ساهمت الإصلاحات الأخيرة وتدابير الدعم الموجه في سلطنة عُمان في تحقيق تحسن سريع في مؤشرات المالية العامة، ونظرًا لعدم اكتمال إصلاحات المالية العامة، فإن التحدي التالي أمام سلطنة عُمان يتمثل في الحفاظ على الزخم، مما يتطلب التزامًا ثابتًا بالبناء على التقدم المُحرز.
وكان مجلس إدارة صندوق النقد الدولي قد اختتم مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع سلطنة عمان، خلال يناير 2026، وأكد أن أجندة الإصلاحات التي تتبناها السلطنة تمضي قدماً بخطى ثابتة، مما ساهم في تعزيز مرونة الاقتصاد الكلي ودعم آفاق نمو واعدة ومستدامة.
وذكر بيان صادر عن الصندوق أن الاقتصاد العماني سجل نمواً بنسبة 1.6 في المائة في عام 2024، قبل أن يتسارع بشكل ملحوظ ليصل إلى 2.3 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2025. وأوضح أن هذا الأداء القوي مدفوع بشكل رئيسي بالتوسع الكبير في الأنشطة غير النفطية التي سجلت نمواً بنسبة 3.5 في المائة، مدعومة بنشاط حيوي في قطاعات الإنشاءات، والزراعة، وصيد الأسماك، والسياحة، والخدمات اللوجستية.
وتوقع خبراء الصندوق أن تواصل وتيرة النمو زخمها على المدى المتوسط مع العودة التدريجية لإنتاج النفط إلى طاقته الكاملة، واستمرار قوة الاقتصاد غير النفطي بفضل الإصلاحات المستمرة تحت مظلة «رؤية عُمان 2040» وتدشين مشاريع استثمارية كبرى.
وأشاد الصندوق بالإدارة المالية الحكيمة للسلطنة، التي نجحت في الحفاظ على فائض مالي بنسبة 0.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، رغم تقلبات أسعار النفط العالمية. كما أشار التقرير إلى تراجع الدين العام ليصل إلى 36.1 في المائة من الناتج المحلي بحلول سبتمبر (أيلول) 2025، ما يعكس انضباطاً في الإنفاق وتحسناً في تحصيل الإيرادات غير النفطية.
كما أشاد الصندوق أيضًا بجهود سلطنة عُمان الحثيثة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، أبرزها تحديث المنظومة الضريبية من قبل جهاز الضرائب، والنجاح التشغيلي لصندوق المستقبل في تعبئة رؤوس الأموال الخاصة، إلى جانب الجهود المبذولة لتطوير قطاع الطاقة المتجددة، بما في ذلك الاستثمارات في الهيدروجين الأخضر، ومن المنتظر أن تعزز الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026م – 2030م) هذه المكاسب لتسريع مسيرة التنويع الاقتصادي في إطار رؤية عُمان 2040م.
ويمكن القول أن المؤشرات الاقتصادية الكلية العُمانية حافظت على قوتها رغم تراجع أسعار النفط، في ظل تحسن كفاءة إدارة المالية العامة، ونمو الصادرات غير النفطية، واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وبناءً عليه فإنه بالرغم من تزايد حالة عدم اليقين والتطورات الجيوسياسية المتسارعة وانخفاض أسعار النفط، تستطيع سلطنة عُمان الحفاظ على وتيرة الإصلاحات المالية الحالية من أجل تعزيز القدرة على الصمود وتسريع وتيرة التحول الاقتصادي.
والمؤكد أنه مع تكامل إصلاحات المالية العامة في عُمان مع الجهود الرامية إلى توسيع النمو في القطاعات الجديدة غير النفطية في إطار "رؤية عُمان 2040"، فقد يكون المستقبل واعدًا بالنسبة لاستقرار المالية العامة وتحقيق نمو اقتصادي واسع النطاق.