في شهرٍ تُرفَع فيه الأعمال وتُضاعَف فيه الحسنات، تتكرر مشاهد صادمة تُفرِّغ العبادة من معناها، حين ينتهي “إطعام الصائم” إلى أطباقٍ مُلقاة في القمامة. مشهدٌ يطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون فقهيًا: هل يُقبَل ثوابٌ يُبنَى على إهدار النعمة؟
يؤكد الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بـ دار الإفتاء المصرية، أن ما نشهده في بعض شوارع رمضان من إلقاء كميات كبيرة من طعام الإفطار في القمامة ليس مجرد إسراف، بل سلوكٌ يناقض مقاصد الصيام وروحه.
ف الصائم الذي ذاق الجوع طوال النهار يُفترض أن يكون أكثر وعيًا بقيمة النعمة، لا أن ينتهي به الحال إلى إهانتها بعد أول لقمة. ومن يكتفي بجزءٍ من الوجبة ثم يُلقي بالباقي، كأنه يعلن عدم حاجته، بينما كان الأَولى أن يترك الطعام لمن هو أحوج إليه.
ويُحمِّل الدكتور ربيع المسؤولية أيضًا لمن يتولّون توزيع الطعام، موضحًا أن العمل الخيري ليس سباقًا في عدد الوجبات، بل أمانة تُقاس بمدى وصولها إلى نفسٍ محتاجة فعلًا. فإطعام الصائم عبادة، والعبادة لا تُختزل في المظهر ولا تُؤدَّى بلا تقديرٍ لحاجات الناس.
ويحذّر من أن تكرار هذه المشاهد يُفرِّغ الصيام من معناه، ويحوّل الخير إلى طقسٍ شكليّ بلا أثر، مؤكدًا أن كرامة النعمة من كرامة مُنعِمها، وأن التفكير فيمن لا يجد لقمة عيش — ويمنعه الحياء من السؤال — واجبٌ قبل أن يكون خيارًا.
ويختم بالتذكير بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ﴾ [الإسراء: 27]،داعيًا إلى تقوى الله في نعمه، وصون حق الفقير، حتى يكون ثوابنا محفوظًا لا مُلقىً في القمامة.