في ذكرى محمد حسني مبارك.. قراءة عميقة في سيرة مرحلة

في ذكرى محمد حسني مبارك.. قراءة عميقة في سيرة مرحلةدينا يحيي الأدغم

الرأى25-2-2026 | 19:29

ليست ذكرى الرؤساء مجرد استدعاءٍ لأسماءٍ مرّت في دفاتر التاريخ، بل هي استحضار لزمنٍ كامل بكل ما حمله من رهاناتٍ وانتصاراتٍ وتحديات. وحين نتوقف أمام ذكرى الرئيس محمد حسني مبارك، فإننا لا نستدعي سيرة رجل فحسب، بل نستحضر ثلاثة عقود شكّلت وجدان دولة، وأعادت رسم ملامح مجتمع، ورسّخت معادلات سياسية ما تزال آثارها ممتدة حتى اللحظة. إنها مرحلة لا يمكن اختزالها في موقفٍ عابر أو حكمٍ سريع، لأنها ارتبطت بتوازنات دقيقة بين الداخل والخارج، وبين ضرورات الاستقرار وتطلعات التغيير.

جاء مبارك إلى الحكم في لحظة فارقة أعقبت اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981، في ظرف إقليمي مضطرب وداخلي شديد الحساسية. كانت الدولة المصرية بحاجة إلى إعادة تثبيت أركانها، وإلى خطابٍ يعيد الطمأنينة إلى الشارع، ويؤكد استمرارية المؤسسات. ومنذ اللحظة الأولى، اختار مبارك أن يقدّم نفسه باعتباره رجل الدولة الذي يغلّب الاستقرار على المغامرة، ويؤمن بأن حماية الكيان الوطني مقدّمة على كل اعتبار.

قبل الرئاسة، كان الرجل ابن المؤسسة العسكرية، تدرّج في صفوف القوات الجوية حتى تولّى قيادتها خلال حرب أكتوبر 1973، وهي محطة رسّخت صورته كقائدٍ شارك في واحدة من أهم لحظات التاريخ العسكري المصري. هذا الخلفية العسكرية انعكست على أسلوبه في الحكم، حيث غلبت عليه لغة الانضباط والحسابات الدقيقة، والرهان على المؤسسة كضامنٍ أساسي لاستمرار الدولة.

على المستوى السياسي، اتسم عهده بامتداد حالة الطوارئ، وبهيمنة الحزب الوطني على الحياة البرلمانية، وهو ما أثار انتقادات واسعة من قوى سياسية طالبت بإصلاحات أعمق وتوسيع دوائر المشاركة. في المقابل، يرى أنصاره أن تلك السياسات جاءت في سياق مواجهة تحديات أمنية وإقليمية جسيمة، وأنها ساهمت في حماية البلاد من موجات عنف واضطراب عصفت بدولٍ أخرى في المنطقة.

اقتصاديًا، شهدت مصر خلال تسعينيات القرن الماضي برامج إصلاح وهيكلة بالتعاون مع مؤسسات دولية، وبدأت مرحلة الخصخصة وتحرير السوق، ما أسهم في تحقيق معدلات نمو ملحوظة في بعض الفترات، وتوسيع قاعدة الاستثمارات. غير أن تلك التحولات صاحبتها تساؤلات اجتماعية حول العدالة في توزيع الثمار، واتساع الفجوة بين الطبقات، وهو ما ظل محور نقاشٍ ممتد حتى نهاية عهده.

إقليميًا، لعب مبارك دور الوسيط في عدد من الملفات العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، محافظًا على موقع مصر كركيزة توازن في الشرق الأوسط. كما سعى إلى إدارة علاقات متوازنة مع القوى الدولية، بما يعكس إدراكًا لمكانة مصر الاستراتيجية وحساسيتها الجيوسياسية.

انتهت حقبته مع اندلاع ثورة 25 يناير 2011، التي مثّلت تحوّلًا تاريخيًا في مسار الدولة والمجتمع، وأعادت فتح أسئلة الإصلاح والشرعية والمستقبل. ومع رحيله في عام 2020، عاد الجدل حول تقييم تجربته، بين من يراها مرحلة استقرار وبناء مؤسسي، ومن يعتبرها زمنًا ضيّق أفق التحول السياسي.

في ذكراه، يبقى محمد حسني مبارك عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ مصر الحديث، مرحلة لا تُقرأ بالأبيض والأسود، بل عبر طيفٍ واسع من الرؤى والتجارب. إنها دعوة لقراءة التاريخ بعينٍ ناقدة ومنصفة في آنٍ واحد، تستوعب تعقيدات الواقع، وتدرك أن الأمم لا تتقدم إلا حين تفهم ماضيها بكل ما فيه من قوةٍ وضعف، من إنجازٍ وإخفاق.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان