أكد محمد مشاضي، عضو وحدة الدراسات الأفريقية بـ المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية، أن التحولات المتسارعة في النظام الدولي تفرض إعادة تعريف موقع مصر داخل محيطها القاري، مشدداً على أن مستقبل القاهرة يرتبط عضوياً بمستقبل أفريقيا، في إطار ما وصفه بنظرية “وحدة المصير” بين الجانبين.
وأوضح مشاضي، في مقال تحليلي، أن العلاقة المصرية الأفريقية لم تعد مقتصرة على الملفات الدبلوماسية أو قضايا حوض النيل، بل أصبحت واقعاً يومياً يتجسد في الحضور المتنامي للجاليات والطلاب والمهنيين الأفارقة داخل المجتمع المصري، ما يعكس – بحسب تعبيره – عمق الانتماء التاريخي والإنساني بين مصر وعمقها القاري.
وأشار إلى أن التنوع الديموغرافي الأفريقي في القاهرة يمثل رصيداً استراتيجياً يمكن توظيفه لتعزيز النفوذ المصري في القارة، عبر تحويل هذا الوجود إلى قوة دفع اقتصادية وثقافية، لافتاً إلى أهمية الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الفرص، ومن التعامل مع ملف التواجد الأفريقي باعتباره تحدياً إنسانياً إلى اعتباره فرصة استثمارية وتنموية.
وفي السياق الجيوسياسي، شدد على أن الأمن القومي المصري يبدأ من دوائر العمق الأفريقي، وأن التعامل مع قضايا حوض النيل و القرن الأفريقي والساحل يتطلب مقاربة شاملة ترتكز على الشراكة والقبول المتبادل، لا على النفوذ التقليدي، مؤكداً أن قوة مصر الإقليمية تتعزز كلما ترسخ حضورها في محيطها الجنوبي.
كما دعا إلى تبني “دبلوماسية التوازن الذكي” بين القوى الدولية الكبرى، مع الحفاظ على أولوية البعد الأفريقي في حسابات السياسة الخارجية، باعتبار أن الصعود المصري – وفق رؤيته – لا ينفصل عن صعود القارة واستقرارها.
اقتصادياً، لفت مشاضي إلى أن القارة الأفريقية تمثل أحد أهم أسواق المستقبل في ضوء النمو السكاني المتوقع، ما يحتم على مصر تطوير آليات دمج الطلاب والخريجين الأفارقة في منظومة الأعمال، وإنشاء منصات تواصل لرجال الأعمال والمهنيين، بما يعزز فرص التبادل التجاري والاستثماري، ويربط الاقتصادات الأفريقية بالنظام المصرفي المصري.
وفي البعد الحقوقي، أكد أهمية إدارة ملف الإقامة واللجوء وفق مقاربة إنسانية عادلة، تراعي الكرامة الإنسانية وتلتزم بالقانون، معتبراً أن العدالة في هذا الملف تمثل استثماراً طويل الأمد في تعزيز الثقة والانتماء.
واختتم مشاضي رؤيته بالتأكيد على ضرورة مأسسة التعاون الاقتصادي والشبابي، وتعزيز برامج التدريب المشترك، وتفعيل أدوات القوة الناعمة، وإطلاق منصات إعلامية موجهة إلى الشعوب الأفريقية بلغاتها المحلية، بما يرسخ مكانة القاهرة مركزاً معرفياً ولوجستياً للقارة.
وأشار إلى أن مصر، بتاريخها وموقعها وقدراتها البشرية، تمتلك مقومات استعادة دورها القيادي في أفريقيا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن نهضة القاهرة لا تنفصل عن نهضة القارة بأكملها.