للشيخ محمد الغزالى - رحمه الله - عبارة لا تفارق ذاكرتى منذ قرأتها قبل سنين يقول فيها: "الإسلام قضية عادلة يبد أنها - للأسف - وقعت بين أيدى محامين فاشلين".
وشيخنا هو، محمد الغزالى السقا (1335- 416 هـ / 1917- 1996م) الداعية والمفكر الإسلامى المصرى، أحدَ كبار الدعاة عُرف عنه تجديده فى الفكر الإسلامى، ومناهضته للتشدد والغلو فى الدين، واشتهر بأسلوبه الأدبى فى الكتابة، حتى لقّب بأديب الدعوة.
ودين الإسلام أظن أن أهله ومن يدينون به يعرفونه، ويعرفون أنه قضية عادلة فى ذاتها، ومنطقية، أما الفشل فيكمن أحيانا فى المثال الحى "المسلم" عنوان ومحامى الإسلام، الذى يقدمه أو يتحدث باسمه، وعنه، وهو فاشل حين يفتقر لإحدى ركيزتين: إما الفهم العميق للدين كما نزل، أو القدرة على الإبانة عنه بأسلوب يقبله العقل المعاصر، والنتيجة، ينفر الناس من "الحق" بسبب سوء عرض "صاحب الحق".
وفى وقت تتعالى فيه أصوات المطالبين بتجديد الخطاب الدينى، أو "إحيائه" استلهم محمد الغزالى من سميه الإمام أبو حامد الغزالى فكرة "إحياء علوم الدين"، منطلقا من فرضية أن المعارف قد تذبل، وأن الكتب القديمة قد تعالج أزمات أجيال مضت، والواجب: مواجهة الدنيا بتراثنا لكن بلغة "طيعة ودلالة قريبة" تملأ الفراغ النفسي للشباب (بما فى ذلك كل الأجيال) وتدحض شبهات التحلل.
والآن ما أحوجنا للنظر فى فكر الشيخ محمد الغزالى، ونظرائه من أئمة التجديد فى الإسلام، وما أحوجنا لاستحضار منهجهم التجديدى لنعالج الجرح الغائر فى جسد الأمة الإسلامية.
وعلى سبيل المثال، انظر فى كتابه القيم "هذا ديننا" ترى الغزالى يؤصل لعدد من الركائز والأفكار التى ربما تغيب عن أذهان كثيرة، وأهمها أن دين الإسلام حقيقة قديمة حملت عنوانًا جديدًا، فالإسلام ليس "دينًا مخترعًا" بدأ فى القرن السابع الميلادى، بل هو جوهر الرسالات السماوية والخيط الممتد من آدم ونوح إلى محمد عليهم جميعا السلام.
والركيزة الثانية يؤكد فيها الغزالى على وحدة الأنبياء وأنه لا تفاضل فى أصل الدين بين ما جاء به موسى أو عيسى أو محمد؛ سلام الله عليهم، فالدين واحد فى أركانه وأهدافه، وما اختلف هو "الشرائع" والمناهج بما يناسب العصور.
والركيزة الثالثة كما يقول الغزالى فهى "الفطرة" التى فطر الله الناس عليها، موضحا أن التدين الحقيقي هو العودة للإنسان كما خلقه الله بقلب سليم وفكر سليم، وما التشريعات إلا بمثابة "مضادات حيوية" تحمي هذه الفطرة من الجراثيم الطارئة (الأهواء والخرافات).
أما الركيزة الرابعة التى قام عليها الإسلام كما يقول الشيخ الغزالى فهى "التوحيد" والوحدانية "قل هو الله أحد"، وعرض الشيخ حجة عقلية لطيفة (نقلها عن بعض العلماء) لحصر قضية وجود الله فى أربعة احتمالات لا خامس لها كالتالى: الأول أن الوجود وهم: (وهو كلام يسقطه الواقع البديهي)، والاحتمال الثانى أن العالم أوجد نفسه من العدم: (وهذا هدم لقانون السببية الذى يقوم عليه العلم)، والثالث أن العالم مادة قديمة أزلية: (وهذا تناقض؛ لأن المادة تتغير وتتحول وتفنى، ولا يمكن لفاقد الكمال أن يمنح الكمال للكون)، والثلاثة السابقة تقودنا إلى الإقرار بالاحتمال الرابع، وهو وجود الخالق (الله): وهو الاحتمال الوحيد الذي يحترم العقل ويفسر دقة الصنع (مثل تشبيه المهندس الذي بنى القصر مقابل الرمل والطين).. وللحديث بقية.